الاستملاك والمخالفات: ملفات شائكة تواجه سوريا الجديدة

منبر 07-10-2026 | 09:02

الاستملاك والمخالفات: ملفات شائكة تواجه سوريا الجديدة

تحليل شامل لملف الاستملاكات في سوريا، التحديات أمام الحكومة الجديدة، ودور الاستثمار والتشاركية العادلة في إعادة إعمار دمشق وريفها.

الاستملاك والمخالفات: ملفات شائكة تواجه سوريا الجديدة
حي جوبر الدمشقي بعد الحرب. (سانا)
Smaller Bigger

خالد حرب*

 

 

لا شكّ في أنّ ملفات خطيرة انفجرت في وجه الحكومة السورية الجديدة، وتجسّد ذلك بوضوح في احتجاجات شعبية شهدتها دمشق وريفها على وجه التحديد، وهي مرشّحة للتوسّع تباعًا إلى بقيّة المحافظات. هذه الملفات ليست وليدة اللحظة، بل هي تراكمات عقود من السياسات التي خلقت جرحًا عميقًا في نسيج المجتمع السوري، ولا سيّما في ما يتعلّق بملفّ الاستملاكات الذي يمثّل اليوم أحد أكثر التحدّيات إلحاحًا وتعقيدًا أمام العهد الجديد.

 

ملفّ الاستملاكات: تاريخ من الظلم الممنهج

ملفّ الاستملاكات ملفّ معقّد وشائك، يحمل في طيّاته ظلمًا كبيرًا أصاب عشرات الآلاف من السوريين، ولا سيّما في دمشق وريفها. فقد استُهلكت آلاف الدونمات تحت تسمية "النفع العام"، في حين أنّ أسعار هذه الأراضي اليوم تُقدَّر بالمليارات. مناطق مثل الصبورة والديماس وقدسيا والمعضمية استُملك في بعضها ما يزيد على ثمانين في المئة من أراضيها، مقابل تعويضات زهيدة لا ترقى إلى أيّ مقارنة مع الواقع الحالي. فالدونم الواحد الذي يبلغ سعره اليوم مئات الملايين، قُيِّم في العهد البائد ببضعة آلاف لا غير. وكان المواطنون، قليلو الحيلة، لا يعرفون كيف يتصرّفون ولا إلى أين يتظلمون؛ إمّا خوفًا من السطوة الأمنية، وإمّا جهلًا بالقانون.

وهذا الظلم لم يبدأ مع حكم البعث، بل سبقه بسنوات قاربت بدايات الاستقلال، حين استُخدمت التشريعات الاستثنائية لانتزاع الأراضي من أصحابها تحت ذرائع شتّى. لكنّ النظام البائد حوّل هذه الممارسة إلى أداة هندسة ديموغرافية وأمنية متكاملة.

 

الطوق الأمني حول دمشق: الاستملاك كسلاح طائفي

كانت سياسة النظام الساقط واضحة: إحاطة دمشق بزنار من المباني تشكّل طوقًا أمنيًا من فئات موالية له ولاءً مطلقًا. وكان الطريق إلى ذلك استملاك الأراضي من أصحابها الفعليين بأثمان بخسة، ثمّ إشادة منشآت سكنية وعسكرية لجنود وعائلاتهم من شريحة طائفية معيّنة، بحيث تشكّل حماية للنظام من أيّ تحرّك تمرّدي قد يحدث في دمشق تحديدًا. وهذه حقيقة لا مراء فيها؛ فالخديعة كانت تبدأ باستملاك تحت تسمية "الصالح العام"، ثمّ تكون النتيجة مبان ومنشآت سكنية وعسكرية من لون واحد، كما حدث مثلًا في المعضمية بريف دمشق وغيرها من المناطق التي حُوِّلت إلى ثكنات مقنّعة بأحياء سكنية.

 

وفي المقلب الآخر، تمّ استهلاك آلاف الدونمات في مواقع ممتازة بالصبورة والديماس بريف دمشق، ولم يُقَم عليها أيّ منشأة تُذكر. كان المخطّط واضحًا: توزيعها على أزلام النظام ليجنوا من ورائها مليارات طائلة، في حين بقي أصحابها الأصليون محرومين من حقّهم في أرضهم، بلا تعويض عادل ولا فرصة للاستثمار.

 

ما بعد السقوط: مطالب محقّة وأخرى تعجيزية

بعد سقوط النظام، تنفّس الأهالي الصعداء، وارتفعت الأصوات مطالبةً بردّ الحقوق إلى أصحابها وإلغاء مراسيم الاستملاك الجائرة. وقد استوعبت الحكومة هذه المطالبات كلّها، وأقرّت بأنّ بعضها محقّ تمامًا، لكنّ البعض الآخر فيه مبالغات وطلبات تعجيزية لا مجال لتلبيتها قطّ، كالمطالبة بإلغاء استملاكات تمت في الخمسينات وقامت عليها مبانٍ راسخة من مدارس وجامعات ومستشفيات ومرافق عامة تخدم ملايين المواطنين اليوم.

 

الاستثمار: الحلّ الواقعي والإشكاليات المحيطة به

اليوم، توجّه الدولة هو تشجيع الاستثمار في هذه الأراضي المستملَكة بالمشاركة بين المستثمر وأصحاب الأرض الأصليين. وهنا نشأت إشكاليات متعدّدة:

- فريق يرفض وجود أيّ مستثمر ويريد استرداد أرضه كاملة دون شراكة أو اقتسام، وهو مطلب مفهوم عاطفيًا لكنّه يصطدم بواقع أنّ إعادة إعمار هذه المساحات الشاسعة تتطلّب رؤوس أموال ضخمة لا يملكها أصحاب الأرض وحدهم.

- فريق يقبل بمبدأ المشاركة لكنّه يعترض على نسبة حصّته من البناء قياسًا إلى نسبة المستثمر، ويطالب بمعادلة أكثر إنصافًا تعكس القيمة الحقيقية للأرض التي حُرم منها لعقود.

- فريق أكثر تشنّجًا يرفض إسكان أيّ شخص من خارج منطقته، ويريد أن يتعامل مع الأرض أهلها وأصحابها فقط، وهو توجّه إنْ فُهم من زاوية الحرص على النسيج الاجتماعي فإنّه قد يتحوّل، إن لم يُضبط، إلى إقصاء يُعيق التنمية ويقيّد حركة الإعمار.

 

الدولة تتحاور والتوجّه واضح

الدولة تتحاور مع الجميع وتستمع إلى كلّ الآراء، وهذا بحدّ ذاته تغيّر جوهري عن نهج العهد البائد الذي كان يفرض قراراته بالحديد والنار. لكنّ التوجّه نحو طرح هذه الأراضي الواسعة للاستثمار وإعادة الإعمار وتحسين البنية التحتية والفوقية هو حلّ منطقي وعقلاني، يخفّف الأعباء عن الدولة التي تعاني مشكلة حقيقية في السيولة النقدية، ويفتح أبواب التنمية والتشغيل أمام آلاف السوريين.

تبقى الإشكالية الجوهرية في تحديد النسب العادلة بين أصحاب تلك الأراضي والمستثمرين، سواء كانوا أجانب أم عربًا أم سوريين. لا حلّ لهذا الملفّ إلّا بالتشاركية العادلة والمنصفة، وهي خطوة لا بدّ منها للإقلاع الفعلي بإعادة الإعمار. فالأرض حقّ لصاحبها، لكنّ إعمارها يتطلّب شراكة حقيقية تُرضي جميع الأطراف وتضمن ألّا يتحوّل الاستثمار إلى شكل جديد من أشكال الاستغلال.

 

المباني العسكرية المحيطة بدمشق: حقّ الدولة وحقّ المشرّدين

أمّا المباني التي تحيط بدمشق والتي سكنها جنود النظام الساقط وعائلاتهم، فإنّ إسكان آلاف الأسر المشردة التي لا مأوى لها هدف لا رجعة فيه. من كان يسكن تلك المباني لا حقّ له فيها؛ فهي ملك الدولة، ومن حقّها أن تمنحها لمنتسبيها الجدد أو تسخّرها لإيواء من شرّدهم نظام الأسد. ولا يجوز التشبّث بها بحجّة السكن الطويل، لا سيّما أنّ ساكنها كان عسكريًا في جيش النظام الساقط، واستفاد من موقعه ضمن منظومة القمع التي استولت على تلك الأراضي أصلًا من أصحابها الشرعيين.

 

* مهندس وأكاديمي وناشط سوري

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 10/4/2026 9:33:00 PM
وفق ما نشرت "الكويت اليوم"، وهي الجريدة الرسمية في البلاد.
سيكون إعدام حسن أول عملية إعدام ينفذها الجيش الأميركي منذ العام 1961.
لبنان 10/6/2026 12:12:00 PM
بحسب مراسل "النهار"، فإن المبنى المهدد هو سنتر تجاري يضم مكاتب ومحال