سَجني في رأسي
كأنّ في رأسي بحراً أسود لا شاطئ له، كلّما حاولت النجاة سحبني احتمالٌ جديد إلى قاعه.
أفكّر حتى أفقد القدرة على تصديق ما يحدث، وأشكّ حتى في الأشياء التي لم تمنحني يوماً سبباً للشك.
فرانسيسكا موسى
أنا لا أفرط في التفكير، أنا أغرق فيه.
كأنّ في رأسي بحراً أسود لا شاطئ له، كلّما حاولت النجاة سحبني احتمالٌ جديد إلى قاعه.
أفكّر حتى أفقد القدرة على تصديق ما يحدث، وأشكّ حتى في الأشياء التي لم تمنحني يوماً سبباً للشك.
أفتّش في الصمت عن خيانة، وفي التأخير عن هجر، وفي تغيّر نبرةٍ عابرة عن نهايةٍ تدبّر لي في الخفاء.
أحوّل التفاصيل إلى أدلّة، والاحتمالات إلى حقائق، والخوف إلى يقين.
ثم أتعجّب لماذا يؤلمني شيءٌ لم يحدث؟
لأنني أعيشه قبل أن يحدث.
أعيش الفقد قبل الرحيل، والخذلان قبل الخيانة، والنهاية قبل البداية، وأدفن الأشياء وهي لاتزال حيّة.
في رأسي لا يموت شيءٌ مرةً واحدة.
كلّ ذكرى تعود لتقتلني، كلّ كلمةٍ أعيدها تفتح جرحاً ظننته التأم، وكلّ "ماذا لو؟" تجرّ خلفها مقبرةً كاملة من الاحتمالات.
أنا متعبٌ من عقلي أكثر مما أنا متعبٌ من الحياة.
فالحياة تؤذيني بما يحدث، أما رأسي فيؤذيني بما قد يحدث، وبما لم يحدث، وبما لن يحدث أصلاً.
وهذه هي اللعنة:
أن يكون عدوّي ساكناً في داخلي، يعرف كلّ مخاوفي، ويعرف أين يطعنني، ولا ينام.
وحين يهدأ كلّ شيءٍ حولي، تبدأ الحرب.
أستلقي، وأطفئ النور، فتشتعل في داخلي ألف غرفة، في كلّ غرفةٍ سؤال، وفي كلّ سؤالٍ خوف، وفي كلّ خوفٍ نسخةٌ مني تنهار.
حتى صرت أخاف من الهدوء، لأنني أعرف أن رأسي سيملأه بالصراخ.
يا ربّ، أيّ عذابٍ أن يحمل الإنسان كلّ هذا الضجيج ولا يستطيع أن يفرّ من نفسه؟
أريد فقط أن يمرّ يومٌ واحد دون أن أفتّش عن كارثةٍ مختبئةٍ خلف الفرح.
يومٌ واحد لا أراقب فيه النهايات، ولا أستعدّ للفقد، ولا أرتجف من الغد، ولا أعاقب نفسي على أشياء لم أفعلها.
أريد أن أعيش دون أن أحتاج إلى ضمانةٍ بأنني لن أنكسر.
لكنّ عقلي لا يفهم الرحمة.
كلّ ما يعرفه أن يبقيني مستعدّاَ لأسوأ شيء.
حتى أصبح أسوأ شيءٍ هو أنا.
أنا الذي لم يعد يخاف أن يحدث له شيء، بل يخاف أن يظلّ يفكّر فيه حتى يهلكه قبل أن يحدث.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ما سبب عدم التزام الموعد المحدد في الشهر الحالي؟ وهل من موعد جديد؟
نبض