شبكة الارتكاز الأمامية... التطبيقات الأميركية والتقاطعات الإسرائيلية في الحرب مع إيران
توضح التجارب وظيفة هذه القواعد، وهي دمج الرادارات والمسيّرات ووسائل الاستشعار لتغطية مناطق لا تراها المنصات الأخرى، وربط المعلومات بالقوات البحرية والجوية. وتتيح هذه البنية للقائد فهم البيئة المحيطة وتحسين قراراته، بينما تبقى بعض المنصات الرئيسية في مواقع أقل تعرضاً للخطر. كما تجعل تبادل المعلومات عنصراً أساسياً في فاعلية الانتشار المتناثر.
شفيق طاهر
أبرزت الأضرار التي لحقت بقواعد أميركية في المنطقة جراء الهجمات الإيرانية بالصواريخ والمسيّرات مخاطر تركيز الطائرات والمعدات والإمدادات في منشآت كبيرة وثابتة. وقد منحت هذه التجربة مفهوم "شبكة الارتكاز الأمامية Forward Basing Network"" أهمية عملية، لملاءمته حاجة القوات الأميركية إلى حماية قدراتها ومواصلة القتال. ويقوم المفهوم على توزيع وظائف القاعدة بين مواقع صغيرة وموقتة للتزود بالوقود والتسليح والاستشعار والإسناد، بما يقلل احتمال تعطيلها جميعاً بضربة واحدة، ويوفر بدائل لاستمرار العمليات عند تضرر القواعد الرئيسية.
من القاعدة الثابتة إلى الشبكة المتحركة
ويجسد مفهوم عمليات القواعد المتقدمة الاستكشافية (EABO) هذا التوجه لدى مشاة البحرية الأميركية. فهو يعتمد على قوات متحركة محدودة البصمة، تعمل من مواقع ساحلية متقشفة، وأحياناً داخل نطاق أسلحة الخصم، لدعم الأسطول الجوي ومراقبة المجال البحري والمساهمة في حرمان العدو استخدامه. وتقاس قيمة الموقع بالوظيفة التي يؤديها والمدة اللازمة لإنجازها، مع تقليل المنشآت والتجهيزات التي تعرقل الحركة أو تسهل الكشف.
أقر المفهوم عام 2019، ثم تطور ضمن خطة تصميم القوة 2030، مع التركيز على مواجهة خصم متقدم في المحيط الهادئ. لكن اختباره القتالي الأول جاء في الشرق الأوسط، إذ أعلن مشاة البحرية في سبتمبر/أيلول 2026 أن الوحدة الاستكشافية 31 طبقته للمرة الأولى قتالياً خلال عملية "إيبيك فيوري" ضد إيران.
التطبيق الأميركي والدروس العملياتية
تمثل التطبيق الأبرز في إنشاء نقاط أمامية للتسليح والتزود بالوقود، في أماكن ودول عدة في المنطقة تعرف بـFARPs، خدمت مقاتلات F-35B وطائرات MV-22 التي تقلع بشكل عمودي من دون حاجة الى مدرجات، ومروحيات ومسيّرات عسكرية. ووثقت صور عسكرية بتاريخ 26 مايو/أيار تحميل ذخائر الطائرات في إحدى هذه النقاط داخل نطاق القيادة المركزية، مؤكدة انتقال الفكرة من التدريب إلى الاستخدام الميداني.
استخدمت النقاط لتوسيع مدى العمليات وتخفيف العبء على طائرات التزود بالوقود الجوية، مع الموازنة بين وصول المقاتلات إلى أهدافها وإبقاء سفن الاسناد البرمائية على مسافة أكثر أماناً. كذلك أُنشئت قواعد استشعار أمامية لم تعلن تفاصيل تجهيزاتها ومواقعها. أما استخدامها فلتعقب الزوارق الإيرانية أو إسناد إزالة الألغام.
وتوضح التجارب وظيفة هذه القواعد، وهي دمج الرادارات والمسيّرات ووسائل الاستشعار لتغطية مناطق لا تراها المنصات الأخرى، وربط المعلومات بالقوات البحرية والجوية. وتتيح هذه البنية للقائد فهم البيئة المحيطة وتحسين قراراته، بينما تبقى بعض المنصات الرئيسية في مواقع أقل تعرضاً للخطر. كما تجعل تبادل المعلومات عنصراً أساسياً في فاعلية الانتشار المتناثر.
وخلال الانتشار، سجلت مجموعة تريبولي والوحدة 31 أكثر من 1600 ساعة طيران قتالية بلا حوادث، ونقلتا نحو 363 طناً من المعدات وخمسة آلاف فرد، وزودتا أكثر من 300 طائرة بالوقود براً وبحراً.
وتتيح هذه التطبيقات استخلاص ثلاثة دروس: أولها أن حماية القوة تتطلب توزيعها وتوفير بدائل تشغيلية، إلى جانب الدفاعات الاعتراضية، فتعطل موقع لا ينبغي أن يوقف المهمة بأكملها. وثانيها أن الإمداد يحدد المدى الفعلي للطائرة، لأن تفوقها التقني يفقد قيمته إذا تعذر تزويدها بالوقود والذخيرة. وثالثها أن خدمة الموقع لأفرع مختلفة تزيد فائدته، وتستدعي تنسيقاً مسبقاً في المعدات والإجراءات والاتصالات.
ومع ذلك، يفرض الانتشار الموزع أعباء إضافية في النقل والصيانة والحماية. فالموقع الصغير يحتاج إلى إمداد مستمر واتصال موثوق، وقد تكشفه الحركة المتكررة أو الانبعاثات الإلكترونية.

إسرائيل، تقاطع عملي وحدود التوثيق
يتقاطع بعض العمليات الإسرائيلية مع منطق الارتكاز الأمامي. ففي صحراء النخيب العراقية، نسبت إفادات مسؤولين عراقيين وأميركيين موقعاً جوياً موقتاً إلى قوة إسرائيلية استخدمته لدعم العمليات ومراقبة نشاط الفصائل المرتبطة بإيران. وبحسب تقدير القيادة العسكرية العراقية، لم يتجاوز بقاء القوى الاسرائيلية 48 ساعة. وتبرز الحالة فائدة الموقع الموقت، لكنها تكشف أيضاً حساسية العمل داخل أراضي دولة معادية.
وفي أذربيجان، تحدثت تقارير تستند إلى مصادر، عن انتشار عناصر إسرائيلية قرب الحدود الإيرانية لجمع المعلومات وتنفيذ عمليات بالمسيّرات. غير أن باكو نفت وجود قوات أو قواعد أجنبية واستخدام أراضيها ضد دول أخرى.
أما أرض الصومال، فتشير تقارير إلى توسعة منشآت بربرة وزيارات عسكرية إسرائيلية، في مقابل نفي رسمي لوجود قاعدة إسرائيلية. وتدعم المعطيات احتمال استخدام مستقبلي، من دون إثبات تنفيذ عمليات إسرائيلية منها.
أعادت الحرب مع إيران فتح النقاش حول جدوى حشد القوة في قواعد كبرى يسهل تحديد مواقعها واستهدافها. ومع اتساع دور نقاط الإسناد المتحركة ونجاحها، بات مستقبل الوجود العسكري الأميركي في المنطقة مرتبطاً بقدرته على الجمع بين قوة الإمداد ومرونة الانتشار. فهل انتهى زمن القواعد الكبرى، أم انتهى الاطمئنان إلى قدرتها على حماية القوة وضمان استمرار العمليات، لتبدأ مرحلة تتحول فيها إلى مراكز إسناد لشبكات أصغر وأكثر انتشاراً؟
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
كانت عائلتها توثّق تفاصيل حياتها اليومية، من اللعب وحضور مواعيدها الطبية، إلى قضاء الوقت مع أفراد عائلتها.
نبض