"راح الجنوب"!
عبدالله ناصرالدين
منذ أن اشتدّت وتيرة العدوان، وتقدّمت قوات الاحتلال الإسرائيلي في اتجاه قرى الحافة الأمامية، بدأت عبارة واحدة تتردّد على ألسنة أبناء الجنوب، في المجالس والطرقات والبيوت وعلى هواتف المغتربين: "راح الجنوب؟".
ليست العبارة سؤالاً عن الجغرافيا فقط، ولا تعبيراً عابراً عن الخوف. إنها تختصر وجعاً كاملاً: ماذا لو استطاع الاحتلال أن يحوّل التوغّل إلى أمر واقع، والدمار إلى حدود جديدة، والخوف إلى قدر دائم؟
خلال عدوان آذار 2026، كان المشهد العسكري واضحاً في موازين القوة: تفوّق جوي، كثافة نارية، تكنولوجيا متقدمة، وقدرة على تنفيذ ضربات متلاحقة. تقدّمت قوات الاحتلال في عدد من قرى الحافة الأمامية، فيما بقيت قرى النسق الثاني قادرة على الصمود، مستندة إلى إمكاناتها الدفاعية وإلى مبادرات أهلية من أبناء البلدات أنفسهم، حتى دخلت الهدنة حيّز التنفيذ.
لكن الهدنة لم تُنهِ الحرب في الجنوب. فقد برز منذ ذلك الحين حديث عن تفاهمات غير معلنة تمنح الاحتلال هامشاً واسعاً للحركة داخل الأراضي اللبنانية، بذريعة منع إعادة بناء القدرات العسكرية أو تنفيذ أي نشاط مقاوم. وبينما يتحدث الاحتلال عن هذا الأمر باعتباره حقاً مكتسباً، بقي الجانب اللبناني في مساحة الصمت، من دون نفي واضح أو تأكيد صريح، ولكن لا يوجد لبناني يسمح للعدو بضرب بلاده. وبالتالي، يمكننا التأكيد أن هذا البند هو اختراع إسرائيلي من أجل عدم الالتزام ببنود الاتفاق.
ومنذ ذلك التاريخ، بدا أن الاحتلال يخوض حرباً أخرى، أقلّ صخباً في عناوينها وأكثر اتساعاً في آثارها. تدمير ممنهج، غارات متواصلة، وتقدّم تدريجي من الزوطرين والحمرا ويحمر، وصولاً إلى قلعة الشقيف، ثم أرنون وكفرتبنيت ودبشة، ومؤخراً تلة علي الطاهر، بالتوازي مع اعتداءات يومية تطاول قرى قضاءي النبطية وصور، مع تركيز لافت على المنصوري.
وهنا يعود السؤال نفسه: "راح الجنوب؟".
الإجابة لا تأتي هذه المرة من خرائط الأقمار الاصطناعية، بل من ذاكرة جبل عامل.
فالجنوب الذي يعرفه أبناؤه ليس أرضاً مستحدثة على خرائط الحروب. إنه إرث عمره قرون. يروي المعمّرون ما حفظوه عن آبائهم وأجدادهم: أن جبل عامل لم يكن يوماً أرضاً سهلة على المحتل، وأن كل قوة حاولت أن تجعل احتلالها دائماً اصطدمت بإرادة أهل الأرض.
في العهد العثماني، شهدت المنطقة احتراباً بين مقاومة عاملية ضد السلطة حتى تمركزت السلطة في المدن الرئيسية فقط. وفي زمن الانتداب الفرنسي، ظهرت أيضاً مقاومات محلية وعلى وجه الخصوص أبناء جبل عامل، شاركت في رفض الانتداب حتى جلاء آخر جندي فرنسي عن لبنان.
ومع قيام كيان الاحتلال الإسرائيل، لم يكن الجنوب متروكاً بلا دفاع. وتروي الذاكرة العسكرية اللبنانية مواجهات عدة بين أبطال الجيش اللبناني وقوات الاحتلال الإسرائيلي، فيما شهدت خمسينيات القرن الماضي عمليات أمنية واستخبارية وتبادلاً للأسرى بين الجيش اللبناني وقوات الاحتلال، قبل أن تتبلور لاحقاً مجموعات وتنظيمات وطنية حملت فكرة الدفاع عن لبنان.
ثم جاء عدوان 1968 على مطار بيروت، حين دُمّرت طائرات مدنية لبنانية في عملية إسرائيلية صادمة، فكان ذلك أحد الأحداث التي عمّقت القناعة بأن لبنان يحتاج إلى قدرة وطنية تمنع تحويل أرضه ومؤسساته إلى ساحة مستباحة.
وخلال سنوات الاحتلال التي بدأت باجتياح 1978 وانتهت بالتحرير عام 2000، امتلك الاحتلال كل عناصر القوة تقريباً: جيشاً متطوراً، تفوقاً جوياً، منظومة استخبارية، وشريطاً من العملاء على مقربة من حدوده ومنطقة عازلة. ومع ذلك لم يستطع أن يجعل الاحتلال طبيعياً في الوعي الجنوبي.
لقد بقيت الأرض تقاوم بفعل الإنسان قبل السلاح، وبقي أهلها يزرعون شتلة التبغ ويخفون خلفها بندقية مقاوم ويبنون منازلهم في أماكن الخطر، يخرجون منها عند اشتداد المعركة ويعودون إليها عند سكوت أصوات المدافع.
وبعد التحرير، عاش أبناء الجنوب سنوات طويلة في قراهم، وبنوا منازلهم حتى قرب آخر نقطة لبنانية بمحاذاة فلسطين المحتلة، من دون أن يعني ذلك رغبة في حرب مفتوحة. كانوا يريدون شيئاً بسيطاً: أن يعيشوا في أرضهم بكرامة، من دون تطبيع مع الاحتلال؛ وبالتالي من دون اعتراف بأي حق له في احتلال أي أرض عربية ، ومن دون التخلي عن حقهم في الدفاع عن وطنهم في وجه هذا الأطماع.
لذلك، حين يقول الجنوبي اليوم: «راح الجنوب؟»، فهو لا يسأل إن كانت قرية قد دُمّرت أو تلّة قد احتُلّت.
إنه يسأل: هل يمكن أن يخسر جبل عامل ذاكرته؟
والجواب الذي يأتي من الأجداد إلى الأبناء واضح: قد تُحتل الأرض، وقد تُهدم البيوت، وقد تتبدّل الخرائط موقتاً، لكن الأرض التي لم يقبل أهلها الاحتلال يوماً لا تصبح ملكاً للاحتلال بالتقادم.
فالجنوب ليس فقط ما بقي من حجر.
الجنوب هو من بقي واقفاً فوق الحجر.
ولهذا، ربما السؤال الصحيح ليس: "راح الجنوب؟"،
بل: «متى يعود الجنوب؟».
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
كانت عائلتها توثّق تفاصيل حياتها اليومية، من اللعب وحضور مواعيدها الطبية، إلى قضاء الوقت مع أفراد عائلتها.
نبض