كيف توجّه اللغة إدراكنا للعالم؟

منبر 02-10-2026 | 10:39

كيف توجّه اللغة إدراكنا للعالم؟

كثيراً ما أتساءل وأنا أمشي في أزقة بيروت أو أجلس في مقهى يتصاعد فيه صخب الأحاديث: هل نرى الأشياء حولنا بحواسنا المجردة كما هي، أم من خلال الكلمات التي تعلمنا أن نطلقها عليها؟
كيف توجّه اللغة إدراكنا للعالم؟
من أحد مطاعم بيروت. أرشيفيّة.
Smaller Bigger
إلياس عيسى إلياس 
 
 

 
كثيراً ما أتساءل وأنا أمشي في أزقة بيروت أو أجلس في مقهى يتصاعد فيه صخب الأحاديث: هل نرى الأشياء حولنا بحواسنا المجردة كما هي، أم من خلال الكلمات التي تعلمنا أن نطلقها عليها؟
 
يبدو هذا السؤال غريباً للوهلة الأولى، فالرؤية تبدو أمراً بديهياً ومألوفاً، حتى إننا ننسى أن اللغة ليست أداة محايدة ننقل بها ما يحدث حولنا، بل نظارة نرتديها من دون أن ننتبه إليها. واللغة، في رأيي، ليست سجناً يغلق منافذ التفكير، بل عدسة خفية توجّه انتباهنا وتشكّل ذاكرتنا وترسم الحدود التي نرى العالم من خلالها.
 
تأمل الألوان مثلاً. في الروسية لا توجد كلمة واحدة تجمع درجات الأزرق، بل كلمتان للفاتح والداكن. وتخبرنا التجارب أن الناطق بالروسية يلتقط الفرق بين الدرجتين بسرعة أكبر عند الحد الفاصل بينهما، ويبدو أن ذلك يرتبط بأن لغته سمّت كلاً منهما.
 
ويتجاوز الأثر حدود الحواس إلى تحديد موقعنا في المكان. نقول في لبنان "عَ إيدك اليمين" و"لفّ الشمال"، ونعتمد على أجسادنا غالباً. أما جماعة "غوغو ييميثير" في شمال أستراليا فلا تعرف اليمين واليسار، بل تعتمد على الجهات الجغرافية المطلقة: الشمال والجنوب والشرق والغرب. فيبقى أبناؤها في اتصال دائم بأركان الأرض الأربعة.
 
وحتى قواعد النحو تجرّ وراءها انطباعات. فكلمة «جسر» مؤنثة في الألمانية ومذكرة في الإسبانية، وحين طُلب من أبناء اللغتين وصفه اختار الألمان «أنيق» و«رشيق»، ومال الإسبان إلى «قوي» و«متين». وكأن الجنس النحوي يمنح الجماد صبغة تلوّن صورته في الذهن.
 
لكن الأثر الأشد إدهاشاً يظهر في الزمن. نحن نراه طريقاً نسير عليه: الماضي خلفنا والمستقبل أمامنا. أما شعب "الأيمارا" في جبال الأنديز فيرى العكس؛ الماضي أمام العين لأننا رأيناه وعشناه، والمستقبل خلف الظهر لأنه غامض لا نراه. ويلفت النظر أن كلمة "قبل" في عربيتنا من الجذر نفسه الذي جاءت منه "قُبالة"، أي المواجهة.
 
وينعكس هذا التوجيه على حكايتنا للأحداث وتحديد من نلومه. يميل الإنكليزي إلى ذكر الفاعل فيقول "جون كسر المزهرية"، ونحن نخفف اللوم فنقول "انكسرت المزهرية". والإنكليزية تعرف المبني للمجهول أيضاً، لكن الميل العام يختلف. وتخبرنا تجارب الذاكرة أن من يركز على الفاعل يتذكر "من فعل"، بينما يتذكر الآخرون "ما حدث".
 
وهنا الجسر الذي يمس واقعنا السياسي. فعبارات التجهيل التي نستخدمها في حوادثنا الصغيرة تسللت إلى حديثنا عن أكبر أزماتنا: "حصلت تطورات"، "وقعت الأزمة"، "انفجر الوضع"، وكأن مصائبنا أفعال طبيعية تجري بلا فاعل ولا مسؤول!
 
ومن هنا ننتقل إلى مأزق أعمق. فقد نبّه المفكر مالك بن نبي إلى خطورة استيراد الأفكار الجاهزة، والكلمة وعاء الفكرة. وقد عشنا ذلك إبان الأزمة المالية حين غرق الناس في مصطلحات مثل "هيركات" و"كابيتال كونترول".
 
والمشكلة ليست في استعارة مصطلح أجنبي، بل في أن بعض الكلمات تُخفي ما تُسمّيه. فـ"هيركات" جعلت ضياع مدخرات الناس يبدو إجراءً فنياً، لا قراراً له فاعل وضحية. وهكذا يصير التجهيل والاستيراد وجهين لعملة واحدة: كلمات تُغني عن السؤال عمّن فعل، ولمن. والمجتمع الذي يشرح أزماته بكلمات لم تُصنع لقياس واقعه ينتهي برؤية مشكلاته بعيون غيره.
 
ولا يزال الباحثون يختلفون في مدى قوة هذه الآثار. ومع ذلك فغياب كلمة لا يعني أننا عاجزون عن فهم ما تدل عليه. ليست اللغة هي السجن، بل الخطر أن نكسل عن تسمية أشيائنا بأنفسنا، فنحن قادرون دائماً على ابتكار كلماتنا وتسمية واقعنا كما نعيشه.
 
ربما لا نرى العالم أولاً ثم نضع عليه أسماءه، بل تساعدنا الأسماء نفسها على تحديد ما يستحق أن ننتبه إليه. ومن هنا فإن السؤال عن اللغة ليس سؤالاً عن الكلمات وقواعد النحو، بل عن الأشياء التي نراها بوضوح، وتلك التي تمر أمام أعيننا كل يوم من دون أن نلتفت إليها.
 
 
 
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

فن ومشاهير 9/29/2026 1:06:00 PM
لم تقتصر المقاطع المنتشرة على إعادة تركيب مشاهد قديمة، بل ذهبت إلى حد وضع شخصيات "باب الحارة" في مواقف معاصرة.
فن ومشاهير 9/28/2026 7:03:00 PM
الصورة، بتفاصيلها العفوية، قدّمت جانباً مختلفاً من حياة الأمير الحسين والأميرة رجوة.