تظاهرة نيويورك للمعارضة الإیرانیة؛ تمايز النضال الأصيل عن الابتذال السياسي
موسى أفشار- عضو لجنة الشؤون الخارجية في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية
إن التوقف عند الماضي والدروس المستفادة من المسارات المقطوعة يثير دوماً في الأذهان العِبَر والتجارب والتأمل في الرصيد النضالي الذي تراكم شيئاً فشيئاً ليتحول إلى منار يهتدي به المستقبل. ولإلقاء الضوء على الواقع السياسي والاجتماعي الراهن في إيران، يغدو من الضروري تقييم المكاسب المتأتية من الانتفاضات المتلاحقة ومخرجات عملية تنقية المشهد السياسي عبر معيار تحديد الفواصل والخطوط الشفافة.
ومما لا شك فيه أنه كلما تحولت الأحداث السياسية الداخلية والدولية، كبرها وصغرها، إلى تجربة تاريخية، تجسدت خطوةٌ كبرى إلى الأمام في مسار التنقية السياسية وتعميق الاصطفافات الوطنية الأصيلة.
وفي ذكرى انتفاضة سبتمبر 2022، نستحضر المسارات التي سعت خلالها بعض التيارات المنحرفة والمشاريع الموجّهة إلى حرف الانتفاضة عن مسارها الحقيقي وتشويش المشهد السياسي في إيران. غير أن سنوات المواجهة السياسية والتوعية المستمرة أسهمت في رفع مستوى الوعي الشعبي، وكشف محاولات إعادة إنتاج الاستبداد بأشكال مختلفة، سواء تحت عباءة ولاية الفقيه أو عبر الترويج للعودة إلى ديكتاتورية الشاه. وقد أفضى هذا المسار إلى ترسيخ حدّ فاصل أكثر وضوحاً بين جبهة الحرية والديمقراطية من جهة، وبين استبداد ولاية الفقيه وديكتاتورية الشاه من جهة أخرى، بما يعزز موقع المقاومة المنظمة ويوسّع قاعدة الرفض الشعبي لكلا شكلي الديكتاتورية، ويجعل خيار "لا للشاه ولا للملالي" أكثر حضوراً في الوعي السياسي للمجتمع الإيراني.
تجلي النضال الأصيل والأصداء الدولية
شكلت التظاهرة الحاشدة للإيرانيين أمام مقر الأمم المتحدة في نيويورك يومي 22 و23 أيلول/سبتمبر تجلياً ساطعاً لصمود المقاومة المنظمة واقتدارها.
وأكدت السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمقاومة، في رسالتها إلى هذا التجمع المظفر: "إن حضور الجناة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية في هذا الصرح يمثل سخرية بحقوق الإنسان والسلام والعدالة... لقد أثبت العام الماضي أن لا الحرب ولا المهادنة هما الحل؛ بل إن الحل يكمن في إسقاط هذا النظام على يد الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة".
وبالتوازي مع ذلك، تناول عدد من الشخصيات الدولية البارزة أبعاد هذه المعركة؛ حيث فضح رئيس بلدیة نیویورك السابق رودي جولياني الديكتاتورية الملكية، معتبراً أن دعم وحدات المقاومة هو السبيل الوحيد لأنهائي الاستبداد الديني.
كما شدد السناتور روبرت توريسيلي، مع التأكيد على شعار "لا للشاه، ولا للملا"، على أن وحدات المقاومة أثبتت أصالة النضال من خلال ثباتها في مختلف المدن والمحافظات الإيرانية.
من جانبها، أكدت السفيرة كارلا ساندز، السفيرة الأميركية السابقة لدى الدنمارك وغرينلاند، أن التطورات الأخيرة أظهرت أن العمل العسكري قد يضعف النظام لكنه لا يستطيع بمفرده إحداث تغيير دائم، معتبرة أن العامل الحاسم هو الشعب الإيراني والقوى المنظمة داخل البلاد. كما نوهت بانتخاب السيدة مهناز میمنت اأینة عامة جديدة لمنظمة مجاهدي خلق، مشيرة إلى الدور القيادي الريادي الذي تلعبه النساء في هذه المنظمة منذ عقود.
ومن جانبهما، أدان القس أريان دانهوزر والقس الدكتورة كلوي برير، في كلمتيهما، أي شكل من أشكال الاستبداد باسم الدين أو الملكية، داعيين إلى الإصغاء لصوت الشعب الإيراني لنيل جمهورية ديمقراطية.
وقد لاقت هذه الهبّة الوطنية تغطية إعلامية واسعة في وسائل الإعلام العالمية؛ حيث أفادت شبكة "فوكس نيوز" في بث مباشر بأن آلاف الإيرانيين طالبوا بإنهاء الإعدامات وإقامة جمهورية حرة وديمقراطية، كما سلطت شبكة "جست ذا نيوز" الضوء على مطالبات المحتجين بطرد ممثلي النظام من المنظمة الدولية.
مظهر التنقية السياسية والاعتداء المنحرف
وعلى هامش هذا التجمع الباهر، كشف اعتداء بعض أنصار الديكتاتورية السابقة على مناضلي المقاومة وأنصارها أمام مقر الأمم المتحدة، مجدداً، عن طبيعة الاصطفافات الراهنة. ورغم أن هذا التصرف بدا في ظاهره اعتداءً جسدياً، إلا أنه ينطوي في جوهره على تجذير الفرز بين "جبهة الحرية" و"الخطوط المتساوقة مع بقاء الاستبداد". إن التأمل في طبيعة هذه التحركات المنحرفة يثبت أنها ناتجة عن الانفعال أمام شفافية المشهد السياسي، والعجز عن مجاراة القوانين الحاكمة للنضال الأصيل، والانكسار أمام جيل أضحى واعياً بالماهية التاريخية والطبقية للقوى السياسية.
الخاتمة
أظهرت أحداث نيويورك أن معركة الشعب الإيراني من أجل الحرية قد تجاوزت مراحل التمايز والتنقية؛ إذ إن الفضح المستمر والتمسك بالأصالة قد طهّرا الفضاء السياسي الإيراني من الابتذال والخطوط المنحرفة، وبلورا الإرادة الوطنية لنيل الديمقراطية والعدالة بشكل أكثر تماسكاً واقتداراً.
المقاربة الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الاعلامية
نبض