عندما تكبل التكتيكات حافة القوة

منبر 29-09-2026 | 09:32

عندما تكبل التكتيكات حافة القوة

يقف البيت الأبيض في تعامله مع الملف الإيراني عند لحظة فارقة تشتبك فيها حسابات الردع الجيوستراتيجي بتعقيدات الداخل الأميركي، حيث يفرض النفوذ المستمر للوبي الصهيوني وضغوطه على مراكز صنع القرار في واشنطن مساراً عالي المخاطر يدفع نحو خيارات عسكرية مفتوحة تفتقر إلى استراتيجية خروج محددة المعالم.
عندما تكبل التكتيكات حافة القوة
تعبيرية
Smaller Bigger

أكرم بزي - كاتب وباحث سياسي

 

 

 

يقف البيت الأبيض في تعامله مع الملف الإيراني عند لحظة فارقة تشتبك فيها حسابات الردع الجيوستراتيجي بتعقيدات الداخل الأميركي، حيث يفرض النفوذ المستمر للوبي الصهيوني وضغوطه على مراكز صنع القرار في واشنطن مساراً عالي المخاطر يدفع نحو خيارات عسكرية مفتوحة تفتقر إلى استراتيجية خروج محددة المعالم. هذا الواقع الاستراتيجي يضع الإدارة الأميركية أمام معضلة مزدوجة: فإما الانصياع لرغبات تل أبيب وحلفائها بالاستمرار في التصعيد والحصار، وإما الذهاب نحو التهدئة لتفادي الخسائر الاقتصادية والميدانية المباشرة وتجنب الانعكاسات السلبية على الانتخابات النصفية القادمة.
تأتي تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في أروقة الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول\سبتمبر الجاري بشأن انتظار الرد الأميركي الرسمي على مبادرة الأيام السبعة وفتح مضيق هرمز، لتكشف عن تكتيك تفاوضي يهدف إلى رمي الكرة في الملعب الأميركي وإحراج إدارة ترامب أمام الرأي العام الداخلي والدولي. وهذا الأسلوب يسعى الى إظهار التناقض البيّن بين الخطاب السياسي المعلن وبين كواليس المفاوضات المعقدة الجارية عبر الوسطاء في الدوحة ونيويورك.
على الضفة الأخرى، تعبر تصريحات السناتور الديموقراطي مارك كيلي في مقابلته عبر برنامج "هذا الأسبوع" على شبكة "ABC"  في 27 من الجاري، عن اتجاهٍ صاعد داخل الحزب الديموقراطي يستغل أخطاء المواجهة مع إيران للضغط على البيت الأبيض. وإن انتقاد كيلي لغياب الاستراتيجية الواضحة وإشراك شخصيات غير متخصصة مثل جاريد كوشنر في إدارة ملفات شائكة، يسلط الضوء على عمق الانقسام السياسي داخل واشنطن حيال سبل إدارة هذه الأزمة.
تتزايد الكلفة الاقتصادية والعسكرية بالتوازي مع تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، مما يزيد الموقف الميداني والسياسي تعقيداً، وهذه العوامل المجتمعة تجعل من ملف الصراع مع إيران عنصراً ضاغطاً ومؤثراً بشكل مباشر على التوازنات السياسية والانتخابات النصفية الأميركية القادمة.
إن المأزق الجوهري هنا يتكشف بوضوح عند غياب "رؤية اليوم التالي" في أروقة البيت الأبيض، على نحو ما يحذر منه توماس فريدمان عبر صحيفة  "The New York Times"  بحيث يتبدى أن الاعتماد المفرط على ضربات جوية أو حصار اقتصادي لإسقاط النظام الإيراني ليس سوى رهانٍ خاطئ يفتح الباب أمام فوضىً عارمة وشلل تام في سلاسل إمداد الطاقة العالمية، وهو ما يتطلب تقليص الأهداف العسكرية والتفكير في حلول واقعية قائمة على ضبط الملف النووي واستعادة الاستقرار الملاحي.
وهذا ما يتقاطع بدوره مع أزمة التناقض الحاد بين الخطاب العالي السقف والتكتيكات الميدانية المحدودة، والتي يفندها فريد زكريا عبر شبكة "CNN" ومجلة "Foreign Affairs" بوصفها حالة تردد استراتيجية تجبر واشنطن على التفاوض عبر وسطاء لتجنب حرب شاملة تنهار معها أسواق النفط، خصوصاً حين يُسند التفاوض الى شخصيات غير متمرسة، ما يعزز موقع المفاوض الإيراني ويُظهر الإدارة الأميركية بمظهر المنفعل.
وهنا يبرز صواب المقاربة التي تؤكدها دراسات روبرت بيب في مركز أبحاث الأسلحة والردع بجامعة شيكاغو حول حدود القوة الجوية، ومفادها أن الحملات العسكرية والحصار الاقتصادي لا يمكنهما إخضاع الدول ذات العقيدة الجيوسياسية الصلبة. فالردع الإيراني القائم على الردع بالعقاب والاستنزاف يفرض تكلفة متصاعدة على المعابر المائية والقواعد الإقليمية، مما يجعل التفوق التكنولوجي الأميركي عاجزاً عن ترجمة نفسه إلى انتصارٍ سياسي موجز.
وفي خضم هذا الانسداد، يأتي تصريح ترامب في كلمته ومؤتمره الصحافي على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (22 سبتمبر 2026) ليزيد المشهد خطورة، إذ نقلت شبكة "NBC News" رفضه التام للحلول الوسط وخياره الصريح بين "اتفاق شامل" أو "الدمار الكامل والإبادة"، وهو ما ترجمته إدارته عملياً بحسب إعلان البيت الأبيض السبت (26 سبتمبر 2026) برفض المبادرة الإيرانية للتهدئة. يضع هذا النهج واشنطن والإقليم أمام حافة الزاوية الحرجة، لتصبح المعادلة مكبلة بين سقف التهديد العالي وتكتيك الاستنزاف الميداني، وهو ما ينذر بتداعيات جارفة قد تفلت زمام الأزمة وتدفع بأسواق الطاقة والأمن العالمي نحو هاويةٍ غير محسوبة العواقب.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

لبنان 9/27/2026 1:27:00 PM
في مهلة أقصاها 24 شهراً، من المتوقع أن يكون المشروع العصري قد اكتمل، والذي وُصف في حفل إطلاقه بأنه الأكثر تطوراً وعصرنة في العاصمة.
لبنان 9/27/2026 9:30:00 AM
دخل القيادي في "حزب الله" وفيق صفا شخصياً على خط الملف، بصفته الصديق الشخصي المقرب جداً لوالد الزوجة الراحل، فأعيد الطفل إلى بعلبك، وحُرم والده منه.
فن ومشاهير 9/27/2026 7:24:00 PM
تأتي هذه اللفتة العائلية في مناسبة خاصة للأميرة إيمان، التي تحظى باهتمام واسع من الجمهور الأردني والعربي.