المدينة من ارتفاع كرسي متحرك
قيس نمر
قد تكفي درجة واحدة عند مدخل مبنى لتقسيم الناس إلى فئتين: من يدخل، ومن ينتظر مساعدة كي يدخل. يعبرها الأول من دون أن يلاحظها، فيما قد تحدّد للثاني إمكان الوصول إلى مقابلة عمل، أو عيادة، أو لقاء مع الأصدقاء. هكذا يتحوّل تفصيل معماري صغير إلى سؤال كبير عن المواطنة: من يستطيع أن يختار وجهته، ومن ترسم له المدينة حدود يومه؟
لنتخيّل رحلة من منزل إلى مؤسسة عامة، كما قد يخوضها شخص يستخدم كرسيّاً متحرّكاً. تبدأ بالخروج من المبنى، ثم بلوغ الرصيف، وعبور الشارع، والعثور على وسيلة نقل مناسبة، والوصول إلى المدخل، ومنه إلى المكتب المطلوب. كلّ مرحلة تعتمد على التي تسبقها، فإذا انقطع المسار عند إحداها، فقد تفقد التسهيلات الأخرى قيمتها: مصعد حديث خلف درجات، أو مدخل مجهّز ينتهي أمامه رصيف غير قابل للعبور.
من هذا الارتفاع، تظهر المدينة بوصفها شبكة مترابطة من الإمكانات والمعوقات، لا يقاس الوصول بعدد المنحدرات وحده، بل بقدرة الإنسان على إتمام رحلته واستخدام المكان بأمان وكرامة، وفي المسافة بين البيت والوجهة، تختبر الحقوق التي نعلنها. فالحق في العمل يتطلّب إمكان بلوغ مكان العمل، والحق في التعليم يشمل دخول الصف واستخدام مرافق المدرسة، والمشاركة في الحياة العامة تبدأ بطريق يتيح الوصول إليها.
في لبنان، مضى أكثر من ربع قرن على صدور القانون 220/2000 المتعلّق بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، ومع ذلك، أشارت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، في بيانها الصادر في الثالث من كانون الأول 2025، إلى استمرار المعوقات في التعليم والعمل والصحة والبيئة المبنية، وإلى محدودية إنفاذ القانون، ودعت إلى تحسين إمكان الوصول في النقل والمباني الإدارية والخدمات، وإشراك الأشخاص ذوي الإعاقة والمنظمات الممثّلة لهم في القرارات التي تمسّهم.
يضعنا هذا التقييم أمام سؤال التنفيذ، ماذا يستطيع المواطن استخدامه فعلاً؟ وأين تتوقّف رحلته؟ ومَن يتحمّل مسؤولية إزالة العائق؟ الإجابة تحتاج إلى تحديد المؤسسة المعنيّة، والميزانية، والمهلة، وطريقة التحقّق من الإنجاز، فالمسؤولية التي تتوزّع على الجميع من دون تحديد قد تنتهي مسؤوليةً لا يحملها أحد.
قد يتطوّع أشخاص لحمل مستخدم كرسيّ متحرّك على درج للمساعدة، قيمتها حين يختارها صاحبها وتُقدّم بالطريقة التي تناسبه، لكنّ الاعتماد عليها يترك الخروج معلّقاً بوجود الآخرين وقدرتهم ووقتهم، ويظلّ للشخص حقّ رفض أن يُحمل، وحقّ ألّا يشرح احتياجاته للغرباء كلّما أراد دخول مكان، المطلوب أن تتيح له البيئة أكبر قدر ممكن من الاستقلال، وأن يبقى اختيار الدعم بيده.
والعائق لا يمنع الضروريات وحدها، فقد يحرم الإنسان أيضاً زيارة عفوية، أو حضور مناسبة، أو الجلوس في مقهى يختاره، هذه التفاصيل جزء من الحياة التي تمنح المدينة معناها، ومن حقّ مستخدم الكرسيّ المتحرّك أن يخرج لأنّه يرغب في الخروج، من دون أن تكون لرحلته ضرورة استثنائية تبرّر الجهد المبذول لتأمينها.
سيُطرح اعتراض الكلفة، وهو اعتراض جدّي في بلد يعاني ضغوطاً اقتصادية ومؤسساتية، تعديل بعض الأبنية معقّد، وإصلاح شبكات النقل والأرصفة يحتاج إلى موارد ووقت، لذلك تصبح الأولويات ضرورية: مسارات متصلة نحو الخدمات الأساسية، وخطط تدريجية للأبنية القائمة، وموازنات معلنة يمكن متابعة تنفيذها، وفي كلّ مشروع جديد أو أعمال تأهيل، ينبغي إدراج إمكان الوصول منذ التصميم، حتى لا يُنفق المال على إنشاء عائق ستترتّب كلفة أخرى لإزالته.
يمكن البلديات والمؤسسات أن تبدأ بمسح للمعوقات تشارك فيه الجهات المختصّة والأشخاص الذين يستخدمون هذه المرافق. هؤلاء أقدر على كشف ما قد تغفله المخطّطات: مسار ينقطع قبل الوجهة، باب يصعب فتحه، أو تجهيز موجود يتعذّر استعماله، مشاركتهم جزء من جودة القرار، وينبغي أن تمتدّ من تحديد الحاجة إلى اختبار النتيجة.
كما يحتاج الإنجاز إلى صيانة ورقابة، فالمنحدر الذي تسدّه سيارة يتوقّف عن أداء وظيفته، والمصعد المعطّل يعيد العائق، والمسار الذي تحتلّه التجهيزات يفقد استمراريته، لهذا يجب أن تقترن الأعمال بآلية شكوى واضحة واستجابة محدّدة المسؤولية، المعيار هو بقاء الخدمة قابلة للاستخدام بعد انتهاء الافتتاح والتقاط الصور.
ولا يختصر الكرسيّ المتحرّك تنوّع الإعاقات، فإمكان الوصول يشمل احتياجاتٍ حسّية وذهنية مختلفة، ويمتدّ إلى المعلومات ووسائل التواصل والخدمات الرقمية، النظر إلى المدينة من هذا الارتفاع مدخل إلى مساءلة تصميمها، وتوسيع النقاش واجب حتى لا تُهمَل حواجز أقلّ ظهوراً.
قد يستفيد من الرصيف المتاح أيضاً شخص مسنّ، أو مصاب إصابة موقّتة، أو أهل يدفعون عربة طفل، لكنّ حق الأشخاص ذوي الإعاقة قائم بذاته، ولا تتوقّف مشروعيته على عدد المستفيدين الآخرين منه.
يبقى اختبار المدينة بسيطاً: هل يستطيع شخص يستخدم كرسيّاً متحرّكاً أن يغيّر خطّته في منتصف النهار، فيدخل مكتبة أو يزور صديقاً، من دون سلسلة اتصالات وترتيبات مسبقة؟ في هذه المساحة من العفوية يظهر معنى المساواة، فالمدينة التي تَعِد الجميع بحقّ المشاركة، عليها أن تجعل الوصول ممكناً حتى آخر عتبة.
نبض