أزمة السويداء: بين الاستعصاء الداخلي والتدخّل الخارجي.. وإمكانيات الحل

منبر 27-09-2026 | 21:49

أزمة السويداء: بين الاستعصاء الداخلي والتدخّل الخارجي.. وإمكانيات الحل

تحليل شامل لأزمة السويداء السورية، دور الشيخ حكمت الهجري والتدخلات الإقليمية والدولية، وتحديات الحل السياسي في المحافظة.

أزمة السويداء: بين الاستعصاء الداخلي والتدخّل الخارجي.. وإمكانيات الحل
مسلحون من العشائر العربية في السويداء (أ.ف.ب)
Smaller Bigger

خالد حرب*

 

لم تعد أزمة السويداء ملفّاً سورياً خالصاً يمكن حله داخلياً فقط؛ فقد تشابكت فيه عوامل محلية وإقليمية ودولية منذ الأيام الأولى لسقوط نظام الأسد، مروراً بمجزرة تموز 2025 الدامية، وصولاً إلى الجمود الراهن الذي يهدد بتمزيق النسيج الاجتماعي في المحافظة.

قبل سقوط النظام السابق، اختار نشطاء «ساحة الكرامة» في السويداء طوعاً تعويم الشيخ حكمت الهجري ودعمه كوجه ورمز للحراك، فيما انسحبت تدريجياً القوى السياسية ونشطاء المجتمع المدني من صدارة المشهد. وكانت هذه -بحسب كثيرين- السقطة الكبرى الأولى: تسليم قيادة محافظة غنية بالكفاءات والخبرات السياسية إلى قيادة دينية لم تكن مؤهلة، في الحد الأدنى، لإدارة ملف معقد بحجم السويداء.

وشهادة العارفين بالشيخ الهجري تؤكد أن مواقفه كانت منذ البداية ملتبسة، غير مفهومة، والأهم: غير مقنعة لكثير من أبناء الطائفة والمحافظة على حد سواء.

مع سقوط النظام السابق، بدأت الخيوط تتكشف تباعاً. فحين منع رتل متواضع من الأمن العام من دخول السويداء ليلة رأس السنة، كانت تلك أول إشارة واضحة إلى نية الشيخ الهجري عدم التعاون مع السلطة الجديدة، مستقوياً ببعض الفصائل المسلحة التي عاشت واستفادت من غياب الدولة سابقاً.

وفي ظل هذا الفراغ الأمني، استشرى وجود جماعات تتاجر بالممنوعات، فتحوّلت إلى ما يشبه «الأخطبوط» يبتلع أبناء المحافظة ويقضي على مستقبل أبنائها.

بادرت الدولة السورية لاحقاً إلى مد اليد للشيخ الهجري، وأهملت نسبياً القوى الأخرى، في زيارات متتالية أسبوعية لدارته ومحاولة مستمرة للوقوف عند خاطره. لكن مع الوقت بدأت تتضح خيوط صله بإسرائيل، عبر الشيخ موفق طريف، الذي وفّر له دعماً مالياً وسياسياً غيّر معادلة الموقف من دمشق.

وفي المقابل، عمّدت السلطة إلى «تعويم» البدو ونسبتهم إلى الأمن العام، فقوّت شوكتهم كثيراً، رغم أنهم أقلية قياساً إلى محافظة عدد سكانها نحو 700 ألف نسمة. ويبدو أن الحسابات الأمنية أوحت بإمكانية أن يمسك البدو بزمام الأمور في المحافظة، فكانت هذه -برأي كثيرين- الخطيئة القاتلة.

كل عمليات السطو وقطع الطريق والتعدي التي نفّذها بدو «مستحقو الأمن العام» لم تُحاسب، بل تم التطنيش عليها، فزادت الهوة مع السلطة والمجتمع المحلي على حد سواء. وتوج هذا المسار بـ«الانتحار الجماعي» في تموز 2025، حين داهمت عشائر بالآلاف المحافظة قادمة من دمشق ودرعا، وارتكبت انتهاكات مروعة: هتكت أعراضاً، وقتلت، وخطفت عشرات المدنيين.

وردّاً على ذلك، تم ترحيل كل البدو عن السويداء باتجاه درعا، ونُصبت كمائن للأمن العام بعد دخولهم المحافظة، ما أسفر عن مقتل العشرات منهم. توسعت الجروح، وتحولت الاتهامات إلى «عالمكشوف» من العداء المتبادل. خرجت السويداء عملياً من سلطة الدولة، باستثناء بعض القرى؛ نحو 180 ألف نازح من قراهم، وحوالى 2000 قتيل، وعشرات المخطوفين.

وصلت الأمور إلى نقطة اللاعودة تقريباً، وهنا جاء «اتفاق عمان» الذي رسم خريطة منطقية للحل، مترافقاً مع تقرير لجنة تحقيق دولية حدّد المسؤوليات بدقة.

اليوم، لا شك في أن أهم معطل للحل هو إسرائيل. تريد إسرائيل السويداء «مسماراً في نعش الدولة»، وتريد الجنوب كله منطقة نفوذ وعربدة مستمرة. وبنيامين نتنياهو، الساعي للفوز بالانتخابات، مستعد لأي أمر لتحقيق هذا الهدف. أما الشيخ الهجري، فقد أصبح ملتحقاً بالمشروع الإسرائيلي حتى النخاع، ومن معه لن يتراجع؛ لأن التراجع يعني نهايته تماماً.

رغم كل هذا، تبقى إمكانيات الحل قائمة، لكنها تتطلب:

- إعادة بناء الثقة عبر خطوات عملية ملموسة، تبدأ بملف المفقودين والمخطوفين، مروراً بمحاسبة مرتكبي الجرائم من كل الأطراف.
- فك الارتباط التدريجي بين الهجري وإسرائيل، عبر ضغوط إقليمية ودولية، ودعم بدائل قيادية محلية مقبولة.
- إعادة دمج السويداء في مؤسسات الدولة بشكل تدريجي، مع ضمانات حقيقية للحقوق والمساواة.
- معالجة الملف الاقتصادي والمعيشي، لأن الفقر والبطالة هما الوقود الرئيسي لكل أشكال الانفلات.

لكن السؤال الأكبر يبقى: هل تريد إسرائيل حقاً حلاً، أم تريد السويداء ورقة ضغط دائمة في مفاوضاتها مع دمشق؟

 

 

* مهندس وأكاديمي وناشط سوري

الأكثر قراءة

لبنان 9/26/2026 11:30:00 AM
اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي معلومات عن بنزين مستورد لا يتجاوز مستوى الـ60 أو 65 أوكتان، مع تساؤلات عن كيفية دخوله السوق ومدى مطابقته المواصفات...
لبنان 9/27/2026 9:30:00 AM
دخل القيادي في "حزب الله" وفيق صفا شخصياً على خط الملف، بصفته الصديق الشخصي المقرب جداً لوالد الزوجة الراحل، فأعيد الطفل إلى بعلبك، وحُرم والده منه.
لبنان 9/25/2026 2:22:00 PM
أثارت تغريدة لرئيس مجلس التنسيق المسيحي الدكتور فؤاد أبو ناضر، تحدث فيها عن "القرض الأحسن للمسيحيين"، جدلاً واسعاً، ولا سيما بعدما ربطها البعض بتجربة "القرض الحسن" وآليات عمله.
فن ومشاهير 9/24/2026 11:03:00 AM
أثار الفنان أحمد العوضي جدلاً جديداً إثر تصريحات فُسرت على أنها إساءة للمرأة، بسبب رده بفيديو حذفه سريعاً، وسط هجوم إعلامي لاذع.