منبر
25-09-2026 | 10:32
خطاب المقاعد الفارغة: عندما تتحدث القوة العارية في وادٍ مهجور
وقف بنيامين نتنياهو على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، شاهراً جهاز "بيجر" صغيراً في يده، وموجهاً أصابع الإتهام يميناً ويساراً.
نتنياهو
محمد الجوهري- كاتب وناشط سياسي
وقف بنيامين نتنياهو على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، شاهراً جهاز "بيجر" صغيراً في يده، وموجهاً أصابع الإتهام يميناً ويساراً.
خلفه، كانت منصة المنظمة الدولية التي أُسّست على أنقاض الحرب العالمية الثانية لترسيخ "القانون الدولي". وأمامه، كانت قاعة شبه فارغة بعد أن انسحبت وفود عشرات الدول قرفاً واحتجاجاً على جرائم حرب موثقة بالدم والصورة.
هذا المشهد السوريالي ليس مجرد حدثٍ ديبلوماسي عابر، بل هو وثيقة فلسفية حية تلخص أزمة الوجود الإنساني والسياسي في القرن الحادي والعشرين.
إنه التجسيد الأوضح لـ"موت الهيمنة الأخلاقية" وصعود "الواقعية المتوحشة" بأعتى صورها.
في الفلسفة الإغريقية القديمة، صاغ المفكرون مفهوم "الهيبريس" (Hubris)، وهو تلك الغطرسة المفرطة التي تصيب الطغاة عندما يتوهمون أنهم تجاوزوا حدود البشر، وقوانين الأخلاق، وصاروا قادرين على فرض روايتهم الخاصة بالدمار المحض.
نتنياهو في خطابه يمثل ذروة هذا المفهوم، فهو لا يرى في انسحاب الوفود عزلته الدولية، بل يراه "جبناً أخلاقياً" لدى الآخرين.
هذه القراءة المشوّهة مستمدة من فلسفة واقعية فجّة، تُنسب شعبياً إلى ميكيافيلي، ترى أن "الغاية تبرّر الوسيلة"، وأن الحق ليس ما يتفق عليه المجتمع الدولي، بل ما تفرضه القوة العارية على الأرض.
هنا، يتجلى بوضوح الصدام الفكري بين الفيلسوفين توماس هوبز وإيمانويل كانط. تأسست الأمم المتحدة بناءً على رؤية كانط حول "السلام الدائم" المحكوم بالمؤسسات والقيم المشتركة. لكن ما جرى على المنبر كان إعداماً علنياً لـ"كانط" وإعادة للعالم إلى "حالة الطبيعة" الهوبزية، حيث "حرب الجميع ضد الجميع"، وحيث الإنسان لأخيه الإنسان ذئب كاسر.
إن التلويح بالتفوق التكنولوجي وأجهزة التفجير والضربات الإستباقية هو رسالة فلسفية مفادها: القانون الدولي حبر على ورق، والأمن لا يتحقق إلا بالقدرة المطلقة على الإبادة.
لقد حاول الخطاب احتكار مفهوم "الحضارة"، مستنداً إلى ثنائية استعلائية قديمة (نحن الحضارة، وهم البربرية).
في المنظور اليميني الإستعماري، تُعرّف الحضارة بالتفوق التكنولوجي، وامتلاك أدوات القتل الأكثر ذكاءً، والقدرة على سحق الأعداء.
لكن في المقابل، قدم انسحاب وفود الجنوب العالمي (أفريقيا، أميركا اللاتينية، وآسيا، والعالم العربي) تعريفاً مضاداً وأصيلاً للحضارة. الحضارة بالنسبة للشعوب التي عانت من الإستعمار هي العدالة، والمساواة، وحق تقرير المصير، وحرمة الدم الإنساني.
انسحابهم كان صرخةً فكرية تؤكد أن من يرتكب المجازر ويهجر الملايين لا يمكن أن يكون منقذاً للحضارة، بل هو التجسيد الأوضح لهمجية حديثة مغلفة بالتكنولوجيا.
في النهاية، ينتمي هذا المشهد إلى ما سماه الفيلسوف الفرنسي غي ديبور "مجتمع الإستعراض"، حيث تصبح البروباغندا البصرية أهم من الحقيقة الوجودية.
لقد صعد نتنياهو ليصنع مشهداً موجهاً لحلفائه ولجمهوره الداخلي، مستخدماً الخرائط والأجهزة دعامةً بصرية.
لكن المفارقة الفلسفية الكبرى هي أن "المشهد ارتدّ عليه". فصورة المقاعد الفارغة والوفود المغادرة أصبحت هي الحدث البصري الأقوى الذي طغى على استعراضه الفردي.
لقد تحدثت القوة العارية بكل استكبار، ولكنها تحدثت في وادٍ مهجور.
ملكت إسرائيل الطائرات والتكنولوجيا والدعم الإمبراطوري، لكن الشعوب ملكت القاعة، والشرعية، والرواية الأخلاقية للتاريخ.
إنه مشهد يؤرخ لعصر الإنفصام الكامل بين سلطة السلاح وضمير الإنسانية، معلناً بداية مخاضٍ عسير لنظام عالمي جديد يبحث عن عدالةٍ مفقودة.
وقف بنيامين نتنياهو على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، شاهراً جهاز "بيجر" صغيراً في يده، وموجهاً أصابع الإتهام يميناً ويساراً.
خلفه، كانت منصة المنظمة الدولية التي أُسّست على أنقاض الحرب العالمية الثانية لترسيخ "القانون الدولي". وأمامه، كانت قاعة شبه فارغة بعد أن انسحبت وفود عشرات الدول قرفاً واحتجاجاً على جرائم حرب موثقة بالدم والصورة.
هذا المشهد السوريالي ليس مجرد حدثٍ ديبلوماسي عابر، بل هو وثيقة فلسفية حية تلخص أزمة الوجود الإنساني والسياسي في القرن الحادي والعشرين.
إنه التجسيد الأوضح لـ"موت الهيمنة الأخلاقية" وصعود "الواقعية المتوحشة" بأعتى صورها.
في الفلسفة الإغريقية القديمة، صاغ المفكرون مفهوم "الهيبريس" (Hubris)، وهو تلك الغطرسة المفرطة التي تصيب الطغاة عندما يتوهمون أنهم تجاوزوا حدود البشر، وقوانين الأخلاق، وصاروا قادرين على فرض روايتهم الخاصة بالدمار المحض.
نتنياهو في خطابه يمثل ذروة هذا المفهوم، فهو لا يرى في انسحاب الوفود عزلته الدولية، بل يراه "جبناً أخلاقياً" لدى الآخرين.
هذه القراءة المشوّهة مستمدة من فلسفة واقعية فجّة، تُنسب شعبياً إلى ميكيافيلي، ترى أن "الغاية تبرّر الوسيلة"، وأن الحق ليس ما يتفق عليه المجتمع الدولي، بل ما تفرضه القوة العارية على الأرض.
هنا، يتجلى بوضوح الصدام الفكري بين الفيلسوفين توماس هوبز وإيمانويل كانط. تأسست الأمم المتحدة بناءً على رؤية كانط حول "السلام الدائم" المحكوم بالمؤسسات والقيم المشتركة. لكن ما جرى على المنبر كان إعداماً علنياً لـ"كانط" وإعادة للعالم إلى "حالة الطبيعة" الهوبزية، حيث "حرب الجميع ضد الجميع"، وحيث الإنسان لأخيه الإنسان ذئب كاسر.
إن التلويح بالتفوق التكنولوجي وأجهزة التفجير والضربات الإستباقية هو رسالة فلسفية مفادها: القانون الدولي حبر على ورق، والأمن لا يتحقق إلا بالقدرة المطلقة على الإبادة.
لقد حاول الخطاب احتكار مفهوم "الحضارة"، مستنداً إلى ثنائية استعلائية قديمة (نحن الحضارة، وهم البربرية).
في المنظور اليميني الإستعماري، تُعرّف الحضارة بالتفوق التكنولوجي، وامتلاك أدوات القتل الأكثر ذكاءً، والقدرة على سحق الأعداء.
لكن في المقابل، قدم انسحاب وفود الجنوب العالمي (أفريقيا، أميركا اللاتينية، وآسيا، والعالم العربي) تعريفاً مضاداً وأصيلاً للحضارة. الحضارة بالنسبة للشعوب التي عانت من الإستعمار هي العدالة، والمساواة، وحق تقرير المصير، وحرمة الدم الإنساني.
انسحابهم كان صرخةً فكرية تؤكد أن من يرتكب المجازر ويهجر الملايين لا يمكن أن يكون منقذاً للحضارة، بل هو التجسيد الأوضح لهمجية حديثة مغلفة بالتكنولوجيا.
في النهاية، ينتمي هذا المشهد إلى ما سماه الفيلسوف الفرنسي غي ديبور "مجتمع الإستعراض"، حيث تصبح البروباغندا البصرية أهم من الحقيقة الوجودية.
لقد صعد نتنياهو ليصنع مشهداً موجهاً لحلفائه ولجمهوره الداخلي، مستخدماً الخرائط والأجهزة دعامةً بصرية.
لكن المفارقة الفلسفية الكبرى هي أن "المشهد ارتدّ عليه". فصورة المقاعد الفارغة والوفود المغادرة أصبحت هي الحدث البصري الأقوى الذي طغى على استعراضه الفردي.
لقد تحدثت القوة العارية بكل استكبار، ولكنها تحدثت في وادٍ مهجور.
ملكت إسرائيل الطائرات والتكنولوجيا والدعم الإمبراطوري، لكن الشعوب ملكت القاعة، والشرعية، والرواية الأخلاقية للتاريخ.
إنه مشهد يؤرخ لعصر الإنفصام الكامل بين سلطة السلاح وضمير الإنسانية، معلناً بداية مخاضٍ عسير لنظام عالمي جديد يبحث عن عدالةٍ مفقودة.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
شمال إفريقيا
9/24/2026 7:22:00 AM
يحتفظ الملك بصلاحيات واسعة في تحديد التوجّهات السياسية وملفات الدفاع والشؤون الخارجية.
النهار تتحقق
9/23/2026 3:15:00 PM
مصافحة بين الرئيس السوري وعمدة نيويورك، وبدت راما دوجي مبتسمة.
لبنان
9/24/2026 5:40:00 AM
تشير معلومات "النهار" إلى دعوة وصلت من الرئاسة العامة لراهبات سيدة الناصرة في روما إلى لجان القدامى والأهل في مدرسة الاشرفية لحضور اجتماع حدد موعده مبدئياً في 7 تشرين الأول المقبل لتوضيح الأمور المبهمة حتى الساعة.
فن ومشاهير
9/23/2026 1:10:00 PM
بعد 18 عاماً، لا يزال "العشق الممنوع" حاضراً في ذاكرة الجمهور ومواقع التواصل.
نبض