حروب لا نراها و مآسٍ من الدرجة الأولى
سيف موسى
لا يعاني العالم من نقص في الاهتمام، بل يخضع لتراتبية في توزيعه. فلو كان قياس المعاناة يتم بناءً على العناوين الإخبارية، لبدت حياة بعض الناس كأنها أكثر أهمية من حياة غيرهم. إذ تفرض المصالح الجيوسياسية العالمية هيمنتها على التغطية الإعلامية، وتحدد ما إذا كانت معاناة فئة معينة من الناس ستتحول إلى قضية رأي عام عالمي أم ستظل مجرد أرقام وإحصائيات. وينصبّ التركيز الإعلامي حالياً على صراعين رئيسيين: الحرب بين إسرائيل وإيران، والحرب الروسية- الأوكرانية، حيث تتنافس القوى الاقتصادية والعسكرية العظمى في العالم على النفوذ الإقليمي، بينما يغيب عن وعي معظم الناس ما يدور من مواجهات في أماكن أخرى بعيدة عن الأضواء، وفي دول نادراً ما تُذكر أسماؤها أو تقع في مناطق يعجز غالب الناس عن تحديد مواقعها على الخريطة.
لقد عانت القارة الأفريقية من ويلات الحروب طوال معظم فترات العصر الحديث، ما أدى إلى تبلّد مشاعر وسائل الإعلام العالمية حيال قارة تعيش في اضطراب دائم وتتوق إلى المساعدات الإنسانية.
غير أن هذه الحالة من عدم الاستقرار لا تعني أن القارة لا تستحق التغطية الإعلامية. فهل سمعت عن الحرب في السودان؟ وهل سمعت عن المجازر المرتكبة هناك؟ وهل سمعت عن الـ733 مليون شخص الذين هم بحاجة إلى مساعدات إنسانية؟ وهل تدرك أن هناك 4 ملايين شخص يعانون من سوء التغذية؟ ومع ذلك، من المؤكد أنك سمعت عن المجاعة في غزة! فلماذا تحظى إحدى القضيتين باهتمام أكبر من الأخرى؟ وهل حياة الفلسطينيين أغلى من حياة السودانيين؟
وماذا عن جمهورية الكونغو الديموقراطية التي مزقتها الميليشيات، حيث تفشى العنف القائم على النوع الاجتماعي وتسبب بنزوح 6.9 ملايين شخص وفقاً لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين؟ في المقابل، لا شك في أنك قرأت عن نزوح قرابة ثلث سكان أوكرانيا ولجوئهم إلى أماكن أخرى.
تطول القائمة لتشمل انعدام الأمن الغذائي في الصومال، ونشاط الحركات الإرهابية والجهادية في منطقة الساحل، وصولاً إلى الشرق الأوسط وتحديداً اليمن، حيث يواجه 17 مليون شخص انعدام الأمن الغذائي وفقاً لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. ثم ننتقل إلى آسيا، حيث توثق الأمم المتحدة ممارسات السلطات الصينية بحق أقلية الإيغور وتصنفها عمليات قمع لهذه الأقلية.
تثير مسألة ضعف التغطية الإعلامية هذه تساؤلات حول الأسباب التي تحول دون تصدّر أحداث عالمية معينة للعناوين الرئيسية التي تستحقها. فهل ثمة ما يُراد إخفاؤه؟ إن تلك الصراعات تفوق في أهميتها ما تصوره وسائل الإعلام. فدولة ميانمار، التي تشهد حرباً أهلية منذ عام 2021، تقع عند نقطة التقاء استراتيجية بين الهند والصين والمحيط الهندي. وتقع جمهورية الكونغو الديموقراطية في قلب القارة الأفريقية، وتزخر بأكبر احتياطيات مقدّرة من الموارد المعدنية غير المستغلة، وتُعد الصين وجهةً رئيسية لصادراتها. لذا، فإن أي اضطراب في الصادرات الكونغولية يربك قطاع التكرير في الصين ويلحق الضرر بالاستثمارات الصينية. كما أن موقع اليمن المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب يجعله ركيزةً حيوية لحركة الشحن البحري. أما مالي الغنية بالذهب والمعادن، فقد قطعت علاقاتها مع الغرب، وخصوصاُ فرنسا، متجهةً نحو روسيا التي تتدخل لدعم جهودها للقضاء على التمرد الإسلامي المسلح.
لطالما كانت وسائل الإعلام صوتَ الإنسان المكافح، وضوءاً للناس القابعين في الظلام، وتهديداً للظلم الإنساني، وكاشفةً للفضائح، والأداة التي تحوّل احتياجات الناس إلى شعارات. إنها القوة التي يخشاها كل سياسي، وغالباً ما تكون أول ما يسعون لإسكاته. لم تكن وسائل الإعلام يوماً تكترث لمكان نشوب الاضطرابات، سواء في الشرق أو الغرب، أو الشمال أو الجنوب، أو ما إذا كانت المجازر تحمل من الأهمية السياسية ما يضمن لها مكاناً في الصفحات الأولى. وحينما تصبح رهينةً للمصالح العالمية، فذلك هو اليوم الذي لن يجد فيه الإنسان المعذَّبُ مَن يغيثه.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
يُضرب موعد مع الإضرابات والتحركات المطلبية الأسبوع المقبل، مع رصد الاجتماعات العمالية هذا الأسبوع لتحديد خريطة الاعتراض الشعبي على موجة الغلاء. فمن يتحرك؟ وما مدى الاستجابة للمطالب؟
نبض