داوود داوود: عندما كانت القيادة مسؤولية
حيدر الأمين
في أيلول، تستعيد الذاكرة الجنوبية واحداً من رجالها الذين ارتبطت أسماؤهم بمرحلة شديدة التعقيد من تاريخ لبنان؛ مرحلة لم تكن فيها القيادة موقعاً للوجاهة، ولا العمل العام طريقاً إلى الامتياز، ولا المقاومة مجرد عنوان سياسي.
في الثاني والعشرين من أيلول 1988، اغتيل داوود داوود، بعد مسيرة جمعت بين العلم والتربية والتنظيم والسياسة والمقاومة. لكن استعادة داوود اليوم لا ينبغي أن تكون مجرد مناسبة لإحياء ذكرى رجل رحل. فبعد عقود على اغتياله، تبدو سيرته مدخلاً إلى سؤال يتجاوز شخصه: ماذا تعني القيادة عندما تكون مسؤولية، لا امتيازاً؟
ولد داوود داوود في طربيخا عام 1944، وتلقى تعليماً دينياً ولغوياً، ثم تابع دراسته الأكاديمية وتخرج في الفيزياء النووية. عمل في التربية والتعليم، وتولى إدارة مؤسسة جبل عامل المهنية، قبل أن يتدرج في المسؤوليات داخل حركة أمل وصولاً إلى رئاسة هيئتها التنفيذية.
هذه التفاصيل ليست هامشية. فهي تكشف شخصية لم تدخل العمل العام من بوابة القوة وحدها، بل من بوابة المعرفة والتربية وبناء الإنسان. وهي نقطة أساسية في فهم المدرسة التي تأثر بها، مدرسة الإمام موسى الصدر، حيث لم تكن مواجهة الحرمان منفصلة عن بناء المؤسسات، ولم تكن مقاومة الاحتلال منفصلة عن الدفاع عن الإنسان وكرامته.
كان الجنوب في ذلك الزمن يعيش الاحتلال والحرمان والخوف، ولذلك لم يكن بالنسبة إلى داوود مجرد أرض تتطلب الدفاع عنها، بل مجتمعاً له حقه في الحياة والكرامة والقرار. وكان جبل عامل، بما يحمله من تاريخ علمي وثقافي ورسالي، أكثر من جغرافيا في وعيه؛ كان انتماءً ومسؤوليةً تجاه الإنسان والأرض، وجزءاً من الذاكرة التي تشكلت فيها رؤيته للعمل العام.
ومن هنا تكتسب إحدى الروايات التي حفظتها الذاكرة الجنوبية دلالتها. ففي حسينية مدينة صور، وفي سياق نقاش حول موقع الجنوب من المشروع الإقليمي، ألقى مبعوث إيراني خطاباً تحدّث فيه عن التضحية بالجزء من أجل الكل. وكان المقصود، في فهم داوود للرواية، أن يكون شيعة الجنوب جزءاً يمكن التضحية به في سبيل الكل.
عندها جاء ردّه الحاد: "فلتحترق طهران ويبقى الجنوب".
وتكتسب هذه الواقعة أهمية خاصة في سيرة داوود، لأنها تختصر موقفاً واضحاً من علاقة الجنوب بالمشاريع الإقليمية، وتستحق أن تُحفظ وتُوثّق بوصفها جزءاً من الذاكرة السياسية للجنوب. فمثل هذه المواقف لا ينبغي أن تبقى أسيرة الذاكرة الشفوية، بل ينبغي توثيقها بوصفها جزءاً من تاريخ مرحلة شكّلت وعياً سياسياً كاملاً، ومن حق الأجيال أن تعرف كيف فكر قادتها، وما الذي كانوا يعتبرونه خطاً لا يجوز تجاوزه.
ودلالة الموقف كما حفظتها الذاكرة واضحة: الجنوب ليس جزءاً فائضاً يمكن التضحية به في سبيل مشروع يتجاوز أرضه وأهله وقراره.
وهنا لا تعود المسألة مجرد خلاف سياسي مع إيران، بل تصبح سؤالاً عن معنى الرسالية نفسها. فإذا كان "الجزء" هو الإنسان الذي ائتمنك على قضيته، فكيف يجوز أن يكون أول ما يُضحّى به؟ وإذا كانت المقاومة قد نشأت لحماية الأرض وأهلها، فكيف يمكن أن تتحول الأرض إلى وسيلة تخدم مشروعاً آخر؟
وفي هذا المعنى، كانت القيادة عند داوود لا تُقاس بما يحققه القائد لنفسه من موقع ونفوذ، بل بما يحافظ عليه من أمانة تجاه الناس والقضية. لم يجعل موقعه طريقاً إلى الثروة والامتياز؛ فلم يبنِ القصور، ولم يكدّس الأموال، ولم يحوّل المسؤولية إلى شقق وأراضٍ ومكاسب شخصية. ولم تكن أموال الناس والأيتام والأوقاف، في فهمه للمسؤولية، مورداً للانتفاع الشخصي، بل أمانة لا يجوز المساس بها. كانت القيادة عنده بذلاً وعطاءً وتضحية؛ تكليفاً يحمل تبعاته، لا فرصةً يراكم منها صاحبه المكاسب.
وهنا تكمن قيمة داوود في زمننا. فالمشكلة لا تبدأ فقط عندما تُرتكب المخالفة، بل عندما يتغير معنى المسؤولية نفسها: عندما يصبح الموقع العام وسيلة للوجاهة والنفوذ، وعندما تتحول القضية التي ضحّى الناس من أجلها إلى سلّم للصعود الشخصي.
عندها لا تكون الخسارة سياسية فقط؛ تكون خسارة للمعنى.
ولهذا فإن استعادة داوود لا تحتاج إلى المبالغة في صورته ولا إلى تحويله إلى أسطورة. يكفي أن نضع سيرته أمام معيار بسيط: رجل تولى مسؤوليات كبيرة، لكنه لم يجعل المسؤولية ملكية خاصة؛ حمل قضية، لكنه لم يجعل القضية ملكاً له؛ وانخرط في المقاومة، لكنه لم يفصلها عن الإنسان الذي وجدت من أجله. وهذا هو جوهر الخط الرسالي: أن يبقى الإنسان قبل الموقع، والقضية قبل المكسب، والأرض قبل الحسابات، والمسؤولية قبل الامتياز.
في الثاني والعشرين من أيلول 1988، اغتيل داوود داوود في منطقة الأوزاعي، في عملية استهدفته مع القياديين محمود فقيه وحسن سبيتي، في مرحلة شديدة التعقيد من الحرب اللبنانية، حيث تداخلت الصراعات الداخلية مع الحسابات الإقليمية. لكن قيمة داوود لا تحتاج إلى أسطورة اغتياله كي تبقى. الأهم هو ما سبق الاغتيال: رجل درس العلوم، وعمل في التربية، وانخرط في التنظيم والمقاومة، وتحمّل مسؤوليات سياسية، ولم يفصل بين بناء الإنسان والدفاع عن الأرض. وفي الرواية التي حفظتها الذاكرة الجنوبية، وقف أيضاً عند حدود واضحة أمام أي محاولة لتحويل الجنوب إلى ورقة في صراع يتجاوز حدوده.
وبعد عقود، يبقى السؤال الذي تفرضه سيرته مفتوحاً: ماذا يحدث للقضايا عندما ينتقل أصحابها من موقع التضحية إلى موقع السلطة؟ وهل تستطيع الحركة التي بدأت برسالة أن تحافظ على معناها عندما يصبح الموقع العام غاية بحد ذاته؟
ربما لهذا السبب تستحق سيرة داوود داوود أن تُستعاد في أيلول. ليس لأنه كان قائداً فحسب، بل لأن سيرته تضع أمامنا معياراً بسيطاً وصعباً في آن: ألا تتحول المسؤولية إلى ملكية، ولا القضية إلى تجارة، ولا السلطة إلى غاية. فالقائد الرسالي لا يُقاس بما جمعه من موقعه، بل بما بذله من أجله؛ ولا بما تركه وراءه من ممتلكات، بل بما تركه في وعي الناس من معنى. وفي زمن تتعدد فيه المشاريع فوق أرض واحدة، يبقى السؤال الذي لم يفقد راهنيته: لمن يكون القرار، ولمن تكون المسؤولية؟ أما داوود، كما تحفظه سيرته، فكان جوابه واضحاً:
يبقى الجنوب.
نبض