لبنان بين الطائف والطائفية

منبر 22-09-2026 | 09:57

لبنان بين الطائف والطائفية

ليس من الصعب ملاحظة أن لبنان يعيش منذ عقود في دائرة شبه مغلقة من الأزمات المتناسلة: أزمة سياسية تلد أزمة حكومية، وأزمة حكومية تتحول إلى أزمة حكم، ثم تنعكس جميعها على الاقتصاد والإدارة والقدرة الإنتاجية للدولة. وفي كل مرة يتعطل فيها التوافق الداخلي، يبدو البلد كأنما يحتاج إلى وساطة خارجية أو مساعدة دولية أو تسوية إقليمية لإعادة تشغيل مؤسساته.
لبنان بين الطائف والطائفية
جلسة لمجلس النواب (نبيل إسماعيل).
Smaller Bigger

عبد الله ناصر الدين

 

 

ليس من الصعب ملاحظة أن لبنان يعيش منذ عقود في دائرة شبه مغلقة من الأزمات المتناسلة: أزمة سياسية تلد أزمة حكومية، وأزمة حكومية تتحول إلى أزمة حكم، ثم تنعكس جميعها على الاقتصاد والإدارة والقدرة الإنتاجية للدولة. وفي كل مرة يتعطل فيها التوافق الداخلي، يبدو البلد كأنما يحتاج إلى وساطة خارجية أو مساعدة دولية أو تسوية إقليمية لإعادة تشغيل مؤسساته.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل المشكلة في النظام السياسي اللبناني ذاته، أم في عدم تطبيق النظام الدستوري الذي ارتضاه اللبنانيون في اتفاق الطائف؟
إن مقاربة المسألة بعيداً عن الاصطفاف السياسي تقود إلى حقيقة دستورية أساسية: اتفاق الطائف لم يلغ الطائفية السياسية دفعة واحدة، لكنه وضع مساراً واضحاً للخروج التدريجي منها. وقد ترجم ذلك دستورياً في تعديلات عام 1990، ولا سيما المادة 95، التي تنص صراحة على أن إلغاء الطائفية السياسية "هدف وطني أساسي" يجب تحقيقه وفق خطة مرحلية. كذلك، نصت على تشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية لدراسة واقتراح الوسائل الكفيلة بإلغاء الطائفية ومتابعة تنفيذ الخطة.
وهذا التفصيل مهم جداً، لأن النقاش اللبناني غالباً ما يتعامل مع الطائف باعتباره مجرد صيغة لتوزيع السلطات بين الطوائف، فيما يتجاهل أن الوثيقة حملت مشروعاً انتقالياً من التوازن الطائفي إلى المواطنة السياسية.
فوثيقة الوفاق الوطني أبقت المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في مجلس النواب كمرحلة انتقالية، لكنها ربطت المرحلة التالية بانتخاب مجلس نيابي على أساس وطني لا طائفي، وبإنشاء مجلس للشيوخ تتمثل فيه الطوائف، بما يسمح بأن تنتقل الحماية الجماعية من مجلس النواب إلى مؤسسة دستورية مخصصة للقضايا المصيرية، فيما يصبح مجلس النواب مساحة للمواطنة والتمثيل السياسي الوطني.
ومن هنا، فإن المشكلة ليست في وجود الطوائف بحد ذاتها. الطائفية الاجتماعية والثقافية جزء من التنوع اللبناني، أما تحويل الانتماء الطائفي إلى قاعدة لإدارة الدولة وتوزيع الوظائف والفرص والنفوذ فهو مسألة سياسية ودستورية مختلفة.
الدستور اللبناني نفسه يؤكد أن لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية تقوم على المساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين دون تمايز أو تفضيل، وأن الشعب هو مصدر السلطات وصاحب السيادة، كما يجعل إلغاء الطائفية السياسية هدفاً وطنياً أساسياً.
والأخطر أن استمرار المحاصصة يخلق أثراً يتجاوز السياسة. فعندما تصبح الكفاءة أقل أهمية من الانتماء، يتحول المواطن من صاحب حق إلى طالب حصة، وتتحول الدولة من مؤسسة عامة إلى مجموعة مساحات نفوذ. وعندما لا يجد الشاب اللبناني مكاناً لقدراته في مؤسسات وطنية تقوم على الكفاءة وتكافؤ الفرص، يصبح الخارج سوقاً يستثمر في الطاقات اللبنانية التي عجز الداخل عن استيعابها.
وهكذا لا تكون الهجرة مجرد نتيجة للأزمة الاقتصادية، بل تصبح أيضاً نتيجة لبنية سياسية وإدارية لا تستطيع دائماً تحويل الكفاءة إلى فرصة.
أما استعادة مراحل الانتداب أو الوصاية باعتبارها "زمن استقرار"، فهي قراءة تحتاج إلى كثير من الحذر؛ فالاستقرار الذي يأتي على حساب القرار الوطني والسيادة لا يمكن أن يكون نموذجاً دائماً. الانتداب والوصاية مراحل من التاريخ اللبناني، والدرس الذي ينبغي استخلاصه منها هو أن السيادة لا تستعار ولا تفوّض، بل تبنى بمؤسسات وطنية قادرة على إدارة خلافاتها.
لذلك، فإن الخروج من الأزمة اللبنانية لا يحتاج بالضرورة إلى نظام جديد بقدر ما يحتاج أولاً إلى تنفيذ النظام الدستوري القائم.
والمطلوب هنا ليس إلغاء الطوائف ولا المسّ بحرية المعتقد، بل تحرير الدولة من أسر التمثيل الطائفي، واعتماد الكفاءة والاختصاص في الإدارة والقضاء والمؤسسات العامة، وهو ما نص عليه اتفاق الطائف صراحة في المرحلة الانتقالية.
إن إلغاء الطائفية السياسية، إذا اقترن بقانون انتخابي وطني عادل، وبمجلس شيوخ يحفظ التوازنات الطائفية في القضايا المصيرية، وبإدارة تقوم على الكفاءة، يمكن أن يشكل انتقالاً تدريجياً من دولة الجماعات إلى دولة المواطن، من دون إلغاء خصوصية أي جماعة أو المساس بالتنوع الذي يميز لبنان.
وفي النهاية، قد يكون أكثر ما يحتاجه لبنان اليوم ليس اتفاقاً جديداً، بل الشجاعة لتنفيذ الاتفاق الذي سبق أن أقره اللبنانيون ودخل في صلب دستورهم.
فلبنان لا يستطيع أن يبقى رهينة التسويات الخارجية كلما اختلف أبناؤه في الداخل. الدولة القوية هي التي تمتلك آليات دستورية لحل خلافاتها، ومؤسسات تعمل بصرف النظر عن هوية شاغليها، ومواطن يشعر بأن مستقبله مرتبط بوطنه لا بقدرته على الهجرة.
وهنا تلتقي فكرة الدولة المدنية مع المعنى الوطني الذي عبّر عنه الإمام السيد موسى الصدر في عبارته الشهيرة: "لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه"، أي أن الوطن لا يكون هنائياً بالفعل إلا عندما يشعر جميع أبنائه بأن الدولة دولتهم، والفرصة حقهم، والقانون فوق انتماءاتهم، والسيادة قرارهم الوطني المشترك.


العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 9/21/2026 2:20:00 PM
صاحب مقولة "من أنا حتى يرتفع صوتي في هذا المكان الطاهر؟"
النهار بيديا 9/21/2026 11:05:00 AM
نعى الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم شقيقه الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم، الذي تُوفي صباح اليوم الاثنين، مستذكراً إياه بالدعاء، فيما كان الراحل شخصية بارزة في المجالات الأمنية والرياضية والاقتصادية في دبي، وشغل منصب نائب رئيس شرطة دبي والأمن العام وترأس نادي الوصل.
المشرق-العربي 9/21/2026 5:24:00 AM
"المرصد السوري": معلومات أولية تشير إلى أنّ الانفجارات ناجمة عن انفجار مستودع للذخيرة في المنطقة
المشرق-العربي 9/21/2026 6:50:00 PM
كانت زوجته تدخل إليه الطعام والماء والملابس والأدوية من خلال فتحة صغيرة في الجدار.