سوريا بين خطاب الاعتدال وخطاب الإقصاء: معركة الهوية بعد العاصفة
تتناول المقالة الصراع الثقافي في سوريا بين التطرف والاعتدال من خلال جدل حفلة أصالة نصري وتأثيرها على المجتمع السوري المتنوع.
خالد حرب*
مرت الأيام الماضية في سوريا محمّلة بالتوتر على أكثر من جبهة. فمن جهة، تصاعدت موجة التذمر والاحتجاجات الشعبية على ارتفاع أسعار المحروقات، في ظلّ ظروف معيشية صعبة تثقل كاهل المواطن اليومي. ومن جهة أخرى، اندلعت معركة فكرية حادة على أعلى المستويات، امتدّت من منابر المساجد إلى فضاءات وسائل التواصل الاجتماعي، دارت رحاها بين مؤيد لحفلة الفنانة أصالة نصري في دمشق ومعارض لها.
لم يكن الخلاف حول الحفل فنيًا فحسب، بل تحوّل إلى واجهة لصراع أعمق بين خطابين متناقضين: خطاب الاعتدال والوسطية، وخطاب التطرف والإقصاء.
في مواجهة الحفل، اصطفّت أطراف متعددة، لكلٍّ منها دوافعه وتوجهاته المختلفة. فقد هاجم التيار السلفي الوهابي المتشدد الحفل بذرائع دينية، مستندًا إلى فتاوى فقهية غير ملزمة تحرّم الغناء والموسيقى، شنّت على إثرها جوقة من الشتّامين على منصات التواصل أكبر حملة تشهير بحفلة أصالة تحديدًا، وبالفن عمومًا، في تاريخ سوريا الحديث.
ولم يتورّع بعض المشايخ، الذين كانوا بالأمس القريب من جوقة ممجّدي النظام الساقط، عن ركوب الموجة نفسها، سعيًا إلى حجز مقعد لهم في معادلة الدولة الجديدة، في مزايدة مكشوفة تصف أي نشاط فني بأنه مفسدة للأخلاق وابتعاد عن الدين وتعاليمه.
انضمّ إلى المحور نفسه فلول النظام السابق، ولا سيما من كانوا من "عظماء الرقبة" في العهد القديم، فوجدوا في الحفل فرصة سانحة للهجوم على وزارة الثقافة، متذرعين بأن الأولوية في ظلّ الفقر والحاجة هي معالجة هموم الناس لا رعاية الفن.
غير أن هذه النظرة القاصرة إلى الفن والنشاط الموسيقي تتجاهل طبيعة المجتمع السوري، ولا سيما الدمشقي، الذي يعشق الطرب والموسيقى، وهو في جوهره مجتمع متدين باعتدال، لا يتناقض تديّنه مع حبه للحياة والجمال.
في المقابل، انحازت الدولة بوضوح إلى رعاية الحفل ودعمه بقوة، وهذا موقف يُحسب لها في سياق المعركة الثقافية الدائرة. ترافق هذا التوجّه مع نشاط مدني واسع من شرائح سورية دعمت المسار وآزرته، عزّزته تصريحات مبشّرة من وزير الثقافة، وتوّجته زيارة وزير الخارجية التركي لأضرحة أئمة التصوف في دمشق، في رسالة سياسية ورمزية واضحة لدعم الصوفية وأنصارها في سوريا.
إن المعركة الثقافية في سوريا ما زالت مفتوحة على مصراعيها بين السلفية ومؤيديها من جهة، والصوفية والأشعرية الذين تحتضنهم أغلبية أهل السنة والجماعة من جهة أخرى. غير أن البلد يتّسع للجميع، شرط أن يبقى السجال فكريًا، مترافقًا باحترام الآخر ورفض الإقصاء مهما بلغ حجم الخلاف. وقد شكّلت حفلة أصالة وحضورها الكبير رسالة واضحة: الشعب السوري شعب يعشق الحياة، منفتح، معتدل، يقبل الاختلاف ولا يلغيه.
نبض