حين نحمي الطبيعة نحمي أنفسنا... لبنان بين شجرةٍ تُزرع وخطرٍ يُمنع
راشد شاتيلا
في لبنان، لا تُحمى البيئة بالشعارات، بل بسلوك يومي ومسؤولية مشتركة. شجرة تُزرع، نفايات توضع في مكانها، مجرى مياه يُنظّف، ونهر أو غابة أو شاطئ نقرر حمايته من التلوث. ومع اقتراب الشتاء، تصبح هذه المسؤولية أكثر إلحاحاً، لأن النفايات المتراكمة في الشوارع والأودية ومجاري المياه قد تزيد من مخاطر السيول وتجمع المياه والحوادث. لذلك، فإن حماية البيئة هي أيضاً حماية للإنسان والممتلكات والسلامة العامة.
زراعة الأشجار ليست مجرد تجميل للمدن والقرى، بل هي استثمار في الهواء والتربة والتوازن البيئي. الأشجار تساهم في تحسين جودة الهواء، وحماية التربة، وتوفير المساحات الخضراء ودعم التنوع الطبيعي. لذلك، يجب ألا تقتصر المبادرات على زراعة الأشجار، بل أن تشمل رعايتها وحمايتها. ويمكن للمدارس والجامعات والبلديات والجمعيات والشباب والعائلات أن يساهموا في جعل التشجير ثقافة مستمرة، لأن الشجرة التي نزرعها اليوم قد تكون جزءاً من البيئة التي سيعيش فيها أبناؤنا غداً.
مشكلة النفايات لا تتعلق فقط بتشويه المدن والقرى، بل قد تتحول إلى خطر مع هطول الأمطار. فالنفايات التي تُرمى عشوائياً قد تصل إلى الأقنية ومجاري المياه، فتساهم في انسدادها وتزيد من تجمع المياه في بعض المناطق. لذلك، يجب أن يبدأ الاستعداد للشتاء قبل العاصفة، من خلال تنظيف المجاري وإزالة النفايات والعوائق ومراقبة النقاط الأكثر عرضة للخطر. فالوقاية قبل الحادث أكثر فاعلية من معالجة نتائجه بعد وقوعه.
التلوث ليس مشكلة موسمية، بل نتيجة تراكم ممارسات يومية تؤثر في الهواء والمياه والتربة. ومن هنا تبدأ الحاجة إلى ثقافة بيئية حقيقية في المدارس والجامعات والمنازل وأماكن العمل، تقوم على عدم رمي النفايات عشوائياً، وعلى ترشيد استهلاك المياه والطاقة، وحماية الأشجار، والمحافظة على الأنهار والشواطئ والغابات. البيئة لا تحتاج إلى اهتمامنا في يوم واحد، بل إلى التزام مستمر.
الشباب اللبناني قادرون على تحويل الوعي إلى مبادرات حقيقية، من حملات التشجير وتنظيف الأحياء والشواطئ، إلى نشر ثقافة الفرز وإعادة التدوير والتوعية عبر وسائل التواصل الاجتماعي. والأهم أن ينتقل الشباب من متابعة المشكلات إلى المشاركة في الحلول. فقد تبدأ المبادرة بمجموعة صغيرة، لكنها تستطيع أن تنشر سلوكاً إيجابياً في المجتمع كله. التغيير البيئي لا يحتاج دائماً إلى بداية كبيرة، بل إلى بداية حقيقية.
تبقى مسؤولية الدولة والبلديات والمؤسسات أساسية في وضع الخطط وتنفيذها، لكن المواطن شريك لا غنى عنه؛ فعدم رمي النفايات في مجاري المياه، والحفاظ على الأشجار، والإبلاغ عن مصادر التلوث أو النقاط التي قد تشكّل خطراً، كلها ممارسات بسيطة يمكن أن تساهم في الوقاية. المواطن الواعي لا ينتظر وقوع الكارثة ليسأل عن المسؤول، بل يساهم في منعها قبل حدوثها.
مع اقتراب الشتاء، علينا أن نستعد لا لمواجهة العاصفة فقط، بل لتقليل الأضرار التي يمكن الوقاية منها. تنظيف الأقنية، إزالة النفايات، حماية مجاري المياه، العناية بالأشجار، والحدّ من التلوّث خطوات بسيطة لكنها ضرورية. لبنان الأخضر لا يُبنى بالكلام، بل بشجرة نحافظ عليها، ونهر نحميه، وشاطئ نصونه، وشارع لا نلوثه. فحين نحمي الطبيعة، نحمي الإنسان؛ وحين نمنع أسباب الخطر قبل وقوعه، نساهم في بناء لبنان أكثر أماناً ونظافةً واستدامةً للأجيال القادمة.
نبض