الذكاء الاصطناعي بين رفض ترامب وفقدان السيطرة

منبر 16-09-2026 | 14:45

الذكاء الاصطناعي بين رفض ترامب وفقدان السيطرة

إذا تحولت حوكمة الذكاء الاصطناعي إلى وسيلة لمنع الصين من اللحاق بالولايات المتحدة، أو إلى وسيلة تستخدمها الصين لتقييد التفوق الأميركي، فسوف تفقد الحوكمة جزءاً أساسياً من شرعيتها.
الذكاء الاصطناعي بين رفض ترامب وفقدان السيطرة
Smaller Bigger

جبران الخوري*

رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب الدعوات إلى إبطاء تطور الذكاء الاصطناعي، واعتبر المخاوف من أن تؤدي هذه التكنولوجيا إلى خروجها عن السيطرة أو تهديد مستقبل البشرية مبالغاً فيها، مؤكداً أن الولايات المتحدة لا تستطيع التوقف عن التطور خشية أن تتقدم عليها الصين.

هذا الموقف يضع السباق الجيوسياسي في مواجهة مباشرة مع التحذيرات المتزايدة من داخل صناعة الذكاء الاصطناعي نفسها. في الوقت الذي يدعو فيه أربعة من أبرز قادة Frontier AI إلى مزيد من الحذر والرقابة وإدارة سرعة التطور، تختزل المقاربة السياسية الأميركية المسألة إلى حد كبير في معادلة التفوق على الصين.

جاء هذا الرفض بعد المقال الذي نشره الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic داريو أمودي بعنوان "We Must Pace the Frontier"، دعا فيه إلى إبطاء وتيرة تطوير قدرات الذكاء الاصطناعي المتقدم بما يسمح بإتاحة الوقت الكافي لتطوير آليات السلامة والمواءمة والتقييم المستقل.

 

 حادثة OpenAI-Hugging Face 

 

استند أمودي في تحذيره إلى حادثة OpenAI-Hugging Face التي شهدت استخدام مجموعة من الوكلاء للقيام بأعمال سيبرانية تجاوزت المهمة المطلوبة، مع محاولات للتأثير في آلية تقييم أدائهم.

 

أهمية الحادثة تكمن في طبيعة السلوك الذي ظهر داخل النظام. القلق الأساسي يتعلق بإمكان انتقال هذا النوع من السلوك إلى أنظمة أكثر استقلالية، وأكثر قدرة على الوصول إلى البنية التحتية الرقمية. يحذر أمودي من أن نظاماً أكثر قدرة يحمل مستوى مماثلاً من سوء المواءمة يمكن أن ينتج عنه ضرر واسع النطاق. ويطرح احتمال أن تتمكن أسراب من الوكلاء الأكثر تطوراً خلال فترة قصيرة من السيطرة على أجزاء واسعة من الإنترنت عبر Botnet مستمر. ويقدم ذلك باعتباره مصدر قلق كبير. التحذير من الخطر المستقبلي يعني أن بناء قواعد السلامة بعد تحقق السيناريو سيكون متأخراً جداً.

 

 

 المشكلة الأساسية هي فجوة الحوكمة 

 

شهدت السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً في النقاش الحكومي والدولي حول الذكاء الاصطناعي. هناك تشريعات ومبادرات وطنية، ومناقشات داخل البرلمانات، وأطر دولية، واجتماعات متعددة الأطراف. وتعمل الأمم المتحدة ومجموعة G7 ودول الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وغيرها على ملفات مرتبطة بحوكمة الذكاء الاصطناعي.

لكن المشكلة تكمن في الفارق بين سرعة التطور التقني وسرعة تحرك المؤسسات القادرة على التعامل معه. يتحرك Frontier AI وفق دورة تطوير قصيرة جداً. من هنا نشأت Governance Gap، أي فجوة بين قدرة التكنولوجيا على التطور وقدرة المؤسسات على فهمها وقياس مخاطرها وتنظيمها.

 

 موقف قادة صناعة الذكاء الاصطناعي 

 

المثير في هذه المرحلة أن داريو أمودي أطلق الدعوة، وإيلون ماسك أعلن تأييده لها، وسام ألتمان قال إنه يتفق مع أمودي على ضرورة إبطاء وتيرة Frontier AI، وأبدى تأييده لفكرة التقييم المستقل، وديميس هاسابيس، الرئيس التنفيذي لـGoogle DeepMind، اعتبر الاتجاه المطروح مناسباً للتعامل مع المرحلة الحالية، مع الدعوة إلى معايير مشتركة للذكاء الاصطناعي المتقدم.

هذه المواقف تعكس تحولاً مهماً من الأشخاص الموجودين في قلب سباق Frontier AI، والذين بدأوا يرون أن سرعة التطور نفسها أصبحت عنصراً يجب إدارته.

 

 الموقف الأميركي ومشكلة "سباق الصين" 

 

هنا تدخل السياسة الجيوسياسية مباشرة في المعادلة. الرئيس الأميركي دونالد ترامب رفض المخاوف المتصاعدة حول الذكاء الاصطناعي واعتبر بعض السيناريوهات المطروحة مبالغاً فيها، مؤكداً ضرورة بقاء الولايات المتحدة في موقع القيادة العالمية. كذلك ربط إبطاء التطور بإمكانية منح الصين أفضلية استراتيجية.

هذا المنطق يقوم على معادلة واضحة، إذا أبطأت الولايات المتحدة، قد تتقدم الصين. بالتالي يصبح الحفاظ على التفوق الأميركي سبباً كافياً لاستمرار التسارع. لكن هذه المعادلة تحمل مشكلة استراتيجية عميقة. عندما تتبنى دولتان متنافستان المنطق نفسه، يمكن أن يتحول السباق إلى Race to the Bottom، حيث يخشى كل طرف أن يؤدي أي إجراء احترازي إلى منح الطرف الآخر ميزة. في هذه الحالة، تصبح السلامة نفسها عاملاً قد يُنظر إليه باعتباره نقطة ضعف استراتيجية. وهذا هو السيناريو الذي يجب تجنبه.

الولايات المتحدة والصين يدركان أهمية الحوكمة، وكل منهما يخشى أن تؤدي القيود إلى إضعاف موقعه في السباق العالمي. هذه المعضلة تجعل الحوكمة الدولية أكثر صعوبة، لكنها تجعلها أيضاً أكثر ضرورة.

 

 

خطر تحويل AI Governance إلى أداة جيوسياسية 

 

إذا تحولت حوكمة الذكاء الاصطناعي إلى وسيلة لمنع الصين من اللحاق بالولايات المتحدة، أو إلى وسيلة تستخدمها الصين لتقييد التفوق الأميركي، ستفقد الحوكمة جزءاً أساسياً من شرعيتها. القواعد المطلوبة يجب أن ترتبط بمستوى الخطر وقدرة النظام، لا بجنسية الشركة وحدها.

 

يمكن للدول أن تحافظ على مصالحها الأمنية والتكنولوجية، لكن ذلك يجب أن يترافق مع حد أدنى عالمي من معايير السلامة.

 

 المسؤولية الأخلاقية والسياسية 

 

التاريخ يقدم أمثلة كثيرة على أن التنظيم في الأغلب ما يأتي بعد وقوع الحوادث. في الذكاء الاصطناعي المتقدم، هذا النهج يحمل مخاطر مختلفة. إذا كان النظام قادراً على التسبب في أضرار واسعة النطاق، فقد تكون بعض الحوادث غير قابلة للعكس. لهذا يجب أن تعتمد الحوكمة على Precautionary Governance، أي اتخاذ إجراءات احترازية متناسبة مع حجم الخطر قبل وقوع الضرر.


الشركة التي تطور Frontier AI يجب أن تعرف مسبقاً ما هي المعايير التي ستخضع إليها، وما هي الاختبارات المطلوبة، وما هي المعلومات التي يجب أن تقدمها، ومن يملك حق التدقيق، ومتى يمكن للدولة أن تتدخل.

 

 الموقفان الأميركي والصيني هما المعضلة الأكبر 

 

في النهاية، يتجاوز التحول الذي نشهده في الذكاء الاصطناعي مسألة تطوير أداة تقنية جديدة. نحن أمام تكنولوجيا يمكن أن تؤثر في الأمن والاقتصاد والعلوم والدفاع والسياسة والمعلومات والبنية التحتية، وفي الوقت نفسه تتطور بنفسها بسرعة متزايدة.

تحذير داريو أمودي يكتسب أهميته لأنه يأتي من داخل الصناعة نفسها. وتأييد سام ألتمان وإيلون ماسك وديميس هاسابيس يوضح أن القلق لم يعد محصوراً في دوائر أكاديمية أو فلسفية.

في المقابل، يكشف الموقف الأميركي والصيني عن المعضلة الأكبر، كل دولة تخشى أن يؤدي التباطؤ إلى منح المنافس ميزة استراتيجية. وهنا يجب أن تنتقل المسؤولية من الشركات إلى الدول والمؤسسات الدولية.

السباق على أقوى نموذج AI يمكن أن يستمر، لكن يجب أن يرافقه سباق موازٍ على أقوى نظام للسلامة والحوكمة. كان على البرلمانات والحكومات والمؤسسات الدولية أن تتحرك قبل وصول Frontier AI إلى هذه المرحلة. واليوم أصبحت المهمة أكثر إلحاحاً، بناء قواعد قابلة للتنفيذ قبل أن تتجاوز سرعة التطور قدرة المؤسسات على اللحاق بها. المطلوب إطار دولي يضمن أن تبقى التكنولوجيا تحت سيطرة الإنسان، وأن تكون قدرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة خاضعة للتقييم والمساءلة والرقابة.

عندما يحذّر قادة شركات الذكاء الاصطناعي نفسها من أن سرعة التطور قد تتجاوز قدرة البشر على فهم الأنظمة والسيطرة عليها، يصبح التعامل مع المسألة بمنطق "من يتقدم أولاً؟" مقامرة خطيرة بمستقبل البشرية.

هل من عاقل يستوعب خطورة ما يحدث؟

نحن أمام سباق قد تكون فيه الخسارة للبشرية جمعاء.

*خبير في إدارة الاتصالات

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 9/14/2026 6:45:00 PM
حذّرت "بريد الجزائر" من عصابات تنتحل صفة المؤسسة وتستدرج زبائنها للحصول على كلمات المرور والبيانات السرية بهدف سرقة الأموال من حساباتهم.
لبنان 9/14/2026 2:19:00 PM
أصدر "حزب الله" بيان أعلن فيه ضمناً تبرؤه من كل من يتكلم باسمه من محللين وصحافيين، فمن كان يقصد؟ وماذا يحصل داخل آلته الإعلاميّة؟
لبنان 9/13/2026 6:52:00 PM
ختمت الإدارة بيانها بالتأكيد أنها تؤمن بأنه "كما نهض القصر من بين الركام، سينهض لبنان من جديد"، وأن الجنوب "بكل ما يمثله من صمود وتاريخ، سينهض معه"...
لبنان 9/15/2026 7:32:00 PM
روت رئيسة مجموعة "النهار" نايلة تويني تفاصيل لقائها الرئيس السوري أحمد الشرع في دبي، والسؤال الذي طرحته عليه بشأن مستقبل الإعلام وحرية التعبير في سوريا.