من أزيز المسيّرات إلى تفجيرات الجنوب... الحرب النفسية الإسرائيلية ضد اللبنانيين
شفيق طاهر
لم تكن الحرب النفسية في المواجهات الإسرائيلية مع لبنان نشاطاً دعائياً يرافق القتال فحسب، بل شكلت جزءاً من طريقة استخدام إسرائيل لقوتها. لا يقتصر هدفها على تدمير موقع أو اغتيال شخص، وإنما يمتد إلى التأثير في إدراك اللبنانيين للخطر، وزعزعة شعورهم بالأمان، ودفعهم إلى تعديل سلوكهم أو مواقفهم السياسية. ولهذا تتداخل في الحرب النفسية المسيّرة مع أزيزها، والتحذير مع التهديد، فيما تتحول السماء نفسها إلى مصدر دائم للقلق.
من منشورات 1982 إلى حرب تموز
يعود الاستخدام الإسرائيلي المنظم للحرب النفسية الى اجتياح لبنان في عام 1982، حين ألقت إسرائيل المنشورات من الطائرات لتحذيرهم من مساعدة منظمة التحرير الفلسطينية أو القوات السورية.
وفي حرب تموز/يوليو 2006 أصبحت الحرب النفسية أكثر تنظيماً وتنوعاً. استخدمت إسرائيل المنشورات والمكالمات الهاتفية المسجلة والرسائل النصية والمواقع الإلكترونية والتشويش على البث. ووجهت التحذيرات إلى قرى الجنوب عبر المنشورات والهواتف ومكبرات الصوت.
تصف دراسة أكاديمية الحرب النفسية، بأنها مكون مهم من الحملة العسكرية، لا عملاً إعلامياً عابراً. هدفها الاساسي تحميل طرف لبناني مسؤولية نتائج الهجمات الإسرائيلية - القول إن ما تتعرضون إليه سببه وجود حزب الله بينكم. وهكذا يُرَاد تحويل المعاناة الناتجة من الحرب إلى ضغط على البيئة الاجتماعية للحزب وإلى مادة للانقسام الداخلي.
الأزيز الذي لا ينتهي
منذ فتح جبهة الجنوب عقب اندلاع حرب غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، اكتسبت الحرب النفسية بعداً صوتياً أكثر وضوحاً. بل أصبح الخوف مقيماً في أزيز المسيّرات التي تحوم ساعات طويلة فوق القرى والمدن اللبنانية.
تؤدي المسيّرة وظيفة عسكرية مباشرة في الاستطلاع وجمع المعلومات وتحديد الأهداف وتنفيذ الاغتيالات، لكن أثرها لا ينتهي عند هذه الوظائف. صوتها المتكرر يعلن باستمرار وجود عين في السماء. قد لا يعرف السكان إن كانت الطائرة تجمع الصور، أو تتعقب شخصاً، أو تستعد لإطلاق صاروخ. هذا الغموض هو أحد مصادر قوتها النفسية.
وبمرور الوقت، يتحول الأزيز إلى منبه عصبي دائم. يصغي الناس إلى ارتفاع الصوت وانخفاضه، ويحاولون تقدير موقع المسيّرة واتجاهها، وقد يفسرون تغير النبرة على أنه اقتراب لضربة. وتنتقل هذه المراقبة القسرية إلى تفاصيل الحياة اليومية - التردد في الخروج إلى الهواء الطلق، تقصير الزيارات، تجنب التجمعات أو الطرق المكشوفة، والنظر إلى السماء عند سماع أي صوت مشابه.
نقلت تقارير ميدانية عن أطباء في لبنان ازدياد القلق والتوتر وسرعة الانفعال واضطرابات النوم لدى أشخاص يربطون معاناتهم بالحضور المستمر للمسيّرات. ووصف سكان في الجنوب الأزيز بأنه تذكير لا ينقطع باحتمال الاستهداف، حتى عندما لا تقع غارة. وتنسجم هذه الشهادات مع أبحاث أوسع عن العيش تحت سماء تجوبها الطائرات المسيّرة، ربطت هذا النمط من التهديد باليقظة المفرطة والأرق وتغيير السلوك الاجتماعي.

حين تسمع القرى انفجار قرية أخرى
إلى جانب الأزيز المستمر، تمثل التفجيرات الإسرائيلية في الجنوب صدمات صوتية حادة. فعندما تفجر منازل أو أحياء في بلدة حدودية، لا يبقى الأثر محصوراً في البناء المستهدف. ينتقل دوي الانفجار عبر الوديان والمرتفعات، وتهتز النوافذ في قرى بعيدة، فيما يستيقظ السكان أو يخرجون لمعرفة مصدر الصوت. وقبل وصول أي خبر موثوق، تبدأ لحظة من التخمين - هل استهدفت القرية؟ هل وقعت غارة قريبة؟ هل بدأت موجة قصف جديدة؟
ينتج أثر تفجير مجموعة من المنازل دفعة واحدة دوياً وسحباً من الغبار تسمع وترى في كل مكان، وتحمل إلى سكان القرى المجاورة رسالة عملية عن إمكان تكرار ما حدث في قريتهم.
ويختلف هذا الأثر عن أثر أزيز المسيّرة. يصنع الأزيز خوفاً منخفض الشدة لكنه بعيد المدى، أما التفجير فيقطع الحياة فجأة ويستدعي استجابة جسدية فورية - تسارع النبض، الارتجاف، الاحتماء، الاتصال بالأقارب، ومتابعة الأخبار في صورة فورية.
أفادت اليونيسف خلال الحرب بأن أطفالاً في لبنان عانوا القلق والكوابيس واستعادة مشاهد مرتبطة بالانفجارات، إضافة إلى إصابات سمعية ناجمة عنها. لا يحتاج الأطفال إلى مشاهدة الغارة لكي يتأثروا بها، فقد يكفي سماع الدوي ورؤية خوف الكبار أو اندفاع الأسرة إلى مكان أكثر أمناً لترسيخ الشعور بأن البيت لم يعد يوفر الحماية.

من الصوت إلى الضغط الاجتماعي
تتكامل هذه البيئة الصوتية مع منظومة اتصال تضم المنشورات والمكالمات الآلية والرسائل النصية وخرائط الإخلاء والمنصات الرقمية. خلال تصعيد العدوان تلقى لبنانيون اتصالات تحذيرية تطلب منهم الابتعاد عن مواقع مرتبطة، بحسب إسرائيل، بالحزب.
الهدف هو نقل المواجهة إلى المجتمع، وإقناع اللبنانيين، والجنوبيين خصوصاً، بأن وجود الحزب في مناطقهم يجلب الدمار. وبذلك تستهدف الحرب النفسية العلاقة بين الحزب وبيئته، وبين اللبنانيين بعضهم بعضاً. تراهن هذه الحرب على الإنهاك المتراكم - أزيز في الليل، انفجار يُسمَع من قرية مجاورة، رسالة تحذير مجهولة، شائعة عن هدف محتمل، ثم انتظار لما سيحدث.
لا تكون مواجهة الحرب النفسية بإنكار الخطر، بل بتوفير معلومات رسمية سريعة، وإعلام لا يضخم الأصوات والشائعات، ودعم نفسي واجتماعي، ولاسيما للأطفال وسكان القرى الحدودية. جوهر هذه الحرب النفسية الإسرائيلية هو إبقاء اللبناني بين صوتين، أزيز يقول إن الضربة ممكنة، وانفجار يؤكد أن الإمكان قد يصبح واقعاً في أي لحظة.
نبض