محافظ كثيرة... وشبكة واحدة: نحو ربط المدفوعات في لبنان خطوة من اقتصاد النقد إلى منظومة وطنية للمدفوعات الفورية

منبر 15-09-2026 | 13:41

محافظ كثيرة... وشبكة واحدة: نحو ربط المدفوعات في لبنان خطوة من اقتصاد النقد إلى منظومة وطنية للمدفوعات الفورية

منذ الأزمة المالية التي بدأت عام 2019، تغيّرت طريقة تعامل اللبنانيين مع الأموال بشكل كبير. تراجع دور القطاع المصرفي التقليدي، توسّع الاعتماد على النقد، وفي المقابل ازدادت أهمية شركات تحويل الأموال والمحافظ الإلكترونية ومقدّمي خدمات الدفع.
محافظ كثيرة... وشبكة واحدة: نحو ربط المدفوعات في لبنان خطوة من اقتصاد النقد إلى منظومة وطنية للمدفوعات الفورية
تعبيرية
Smaller Bigger

فراس الحاج محمد

 

 

من تعدّد المحافظ والمنصات إلى شبكة دفع وطنية واحدة
منذ الأزمة المالية التي بدأت عام 2019، تغيّرت طريقة تعامل اللبنانيين مع الأموال بشكل كبير. تراجع دور القطاع المصرفي التقليدي، توسّع الاعتماد على النقد، وفي المقابل ازدادت أهمية شركات تحويل الأموال والمحافظ الإلكترونية ومقدّمي خدمات الدفع.
وتظهر أرقام مصرف لبنان حجم هذا التحول. فقد ارتفع عدد المؤسسات التي تقدّم العمليات الإلكترونية من 11 مؤسسة عام 2019 إلى 25 مؤسسة في حزيران 2025، أي بزيادة بلغت 127%. وفي نهاية 2025 بقي العدد عند 25 مؤسسة، فيما ارتفع عدد نقاط الخدمة من 3,955 نقطة في 2024 إلى 4,836 نقطة في 2025، بزيادة 22.3% خلال عام واحد. كما بلغ عدد المؤسسات التي تشغّل محافظ إلكترونية نشطة 19 مؤسسة في 2025، مقارنة بـ12 فقط في كانون الأول 2024. [1][2]
لكن مع هذا التوسع، يبرز سؤال أكبر: هل يكفي أن يمتلك لبنان عدداً متزايداً من المحافظ وشركات الدفع، أم يحتاج إلى شبكة وطنية تربطها جميعاً؟ وماذا لو استطاع المواطن إرسال الأموال فوراً من أي محفظة أو مصرف إلى أي محفظة أو مصرف آخر؟ هل يمكن لهذه البنية أن تخفف الاعتماد على النقد؟ هل تساعد على كشف أنماط الاحتيال وغسل الأموال والجرائم المالية بصورة أكثر فعالية؟ وهل يمكن أن تدعم جهود الدولة في تحسين الامتثال الضريبي ومكافحة التهرب؟ وهل تؤدي إلى منافسة أكبر ورسوم أقل وشمول مالي أوسع؟ وفي المقابل، كيف نحمي خصوصية المواطن وبياناته المالية ومن يملك حق الوصول إليها؟
هذه الأسئلة تقود إلى فكرة Lebanon Instant Payment System - LIPS، أو «النظام اللبناني للمدفوعات الفورية»: بنية وطنية مشتركة تربط المصارف والمحافظ الإلكترونية ومقدّمي خدمات الدفع المرخصين، تحت تنظيم وإشراف مصرف لبنان.
ما هو LIPS ببساطة؟
تخيّل أنك تستخدم محفظة إلكترونية معيّنة، بينما الشخص الذي تريد إرسال المال إليه يستخدم محفظة أخرى أو حساباً مصرفياً. بدلاً من أن يحتاج كلاكما إلى استخدام الشركة نفسها، ترسل المال من تطبيقك ويستلمه الطرف الآخر مباشرة في التطبيق أو الحساب الذي يستخدمه هو.
هذا هو مفهوم قابلية التشغيل البيني (Interoperability): أي أن المحافظ والمصارف لا تبقى جزراً منفصلة، بل تصبح مرتبطة عبر شبكة مشتركة. وبالتالي، لا تقوم الفكرة على أن ينشئ مصرف لبنان محفظة جديدة تنافس القطاع الخاص، بل أن ينشئ أو ينظم الطريق الذي يسمح لجميع المؤسسات بالتواصل فيما بينها.
لبنان لا يبدأ من الصفر: ماذا عن BDL-RTGS وBDL-CLEAR؟
يمتلك مصرف لبنان بالفعل بنية أساسية مهمة يمكن البناء عليها. فقد أطلق BDL-RTGS في تموز 2012، وهو نظام التسوية الإجمالية الآنية الذي يتيح التسوية النهائية والفورية للمدفوعات بين المؤسسات المشاركة. ويمكن تبسيط دوره بأنه الطبقة التي تُسوّى عبرها الأموال فعلياً بين المؤسسات لدى مصرف لبنان. [3]
أما BDL-CLEAR، الذي أطلق في تشرين الثاني 2013، فهو نظام آلي لمدفوعات التجزئة والمقاصة، ويعالج أدوات مثل الشيكات والتحويلات المباشرة ومعاملات البطاقات وATM وPOS. وهو نظام للعمليات ذات القيمة المنخفضة والحجم الكبير، على أن تتم تسوية نتائج المقاصة من خلال حسابات RTGS. [3][4]
وبصيغة مبسطة: BDL-CLEAR يحسب ما للمؤسسات وما عليها نتيجة مجموعة كبيرة من المدفوعات؛ BDL-RTGS ينفذ التسوية النهائية للأموال بينها؛ أما LIPS المقترح فيضيف الطريق الفوري الذي يسمح للمستخدمين بالدفع والتحويل بين المؤسسات المختلفة. وهكذا لا يستبدل LIPS الأنظمة القائمة، بل يمكن أن يبني عليها ويوسّع استخدامها نحو اقتصاد المدفوعات الفورية.
ما الفوائد التي يمكن أن يحققها LIPS؟
أولاً، قابلية التشغيل البيني والمنافسة. إذا أمكن التحويل بسهولة بين جميع المؤسسات، لن يضطر المواطن إلى اختيار محفظة لأن الأشخاص الذين يتعامل معهم يستخدمونها. تصبح المنافسة أكثر ارتباطاً بالرسوم، وجودة التطبيق، وخدمة العملاء، والأمان والابتكار. وتظهر تجربة Pix البرازيلية أن البنية العامة للمدفوعات الفورية يمكن أن تعزز المنافسة وقابلية التشغيل البيني، وتخفض التكلفة، وتدعم الشمول المالي. وقد وصل Pix إلى نحو 67% من البالغين في البرازيل خلال أكثر بقليل من عام على إطلاقه. [7]
ثانياً، تقليص الاعتماد على النقد. وجود تحويلات فورية منخفضة التكلفة وسهلة الاستخدام يعطي المواطن والتاجر سبباً أكبر للاحتفاظ بالأموال وتحريكها رقمياً بدلاً من العودة إلى النقد بعد كل عملية. وقد أكد صندوق النقد الدولي في مشاوراته مع لبنان أهمية إعادة بناء الوساطة المصرفية والابتعاد عن الاقتصاد القائم على النقد. [6]
ثالثاً، الشمول المالي. يستطيع المستخدم الذي يعتمد على محفظة إلكترونية مرخصة المشاركة بصورة أوسع في الاقتصاد الرقمي، وإرسال الأموال واستقبالها من مستخدمي مؤسسات أخرى، من دون أن تكون الشبكة محصورة بمصرف أو تطبيق واحد.
رابعاً، يمكن أن تصبح الدولة نفسها جزءاً من المنظومة. يمكن مستقبلاً ربط دفع الرسوم والضرائب وبعض الفواتير العامة والتحويلات الحكومية ببنية الدفع الرقمية، ما يقلل الوقت والتعامل النقدي ويحسن سجلات المدفوعات. ومصرف لبنان كان قد وضع نظام المدفوعات الحكومية ضمن مكونات مشروع نظام الدفع الوطني لديه. [4]
غسل الأموال والجرائم المالية: ماذا يمكن أن يتغير؟
إحدى الفوائد الاستراتيجية المحتملة للانتقال من النقد إلى المدفوعات الرقمية المنظمة هي زيادة قابلية التتبع. فالمعاملة الرقمية تترك أثراً رقمياً (Digital Trail) وبيانات منظمة يمكن استخدامها، ضمن القانون، في إدارة المخاطر ومراقبة الأنشطة غير الاعتيادية.
ولا يعني ذلك أن LIPS يستطيع وحده كشف غسل الأموال أو الجريمة المالية. مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب تعتمد على منظومة أوسع تشمل معرفة العميل (KYC)، مراقبة المعاملات، تقييم المخاطر، الإبلاغ عن العمليات المشبوهة، والتعاون بين المؤسسات المختصة.
لكن البيانات الرقمية يمكن أن تساعد المؤسسات على رصد أنماط تستدعي التدقيق، مثل التحويلات المجزأة بصورة متكررة، حركة أموال لا تتناسب مع ملف العميل، مرور الأموال بسرعة عبر عدة حسابات أو محافظ، أو تغير مفاجئ وغير مبرر في نمط العمليات. وفي لبنان، تبقى مسؤوليات المؤسسات المالية ومقدّمي الخدمات والجهات المختصة، بما فيها هيئة التحقيق الخاصة، محكومة بالإطار القانوني والتنظيمي لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
الهدف هنا ليس اعتبار كل معاملة مشبوهة، بل الانتقال من جزء كبير من النشاط الذي يتم نقداً ومن دون أثر رقمي واضح إلى بيئة تسمح بمراقبة قائمة على المخاطر وبأدوات تحليل أكثر فعالية.
هل يمكن أن يساعد في الامتثال الضريبي؟
يمكن أن يساعد، ولكن ضمن منظومة إصلاح أوسع. ففي أيلول 2025 زارت بعثة من إدارة الشؤون المالية في صندوق النقد الدولي بيروت، بطلب من وزير المالية، وعملت مع وزارة المالية على إعداد خارطة طريق للتحول الرقمي للإدارة الضريبية. وأوصى التقرير باستكمال وتنفيذ خارطة الطريق، وتثبيت وتحديث الأنظمة المعلوماتية الأساسية، والعمل على اقتناء نظام متكامل لإدارة الضرائب (ITAS) ينقل الإدارة من العمليات المجزأة أو الورقية إلى بيئة موحدة ومركزية ورقمية. [5]
ولا يعني ذلك أن صندوق النقد أوصى بنظام LIPS تحديداً لمراقبة ضرائب المواطنين. الأدق أن توصياته تدعم رقمنة الإدارة الضريبية وتحسين الامتثال، بينما يمكن لنظام مدفوعات رقمي واسع أن يشكل جزءاً من البيئة الرقمية التي تساعد على ذلك.
فكلما ازدادت نسبة النشاط الاقتصادي التي تمر عبر قنوات رقمية منظمة، أصبحت البيانات المتاحة - ضمن الصلاحيات القانونية - أكثر قابلية للتحليل والمقارنة وتقييم المخاطر. لكن التحويل المالي لا يساوي تلقائياً دخلاً خاضعاً للضريبة: قد يكون مساعدة عائلية أو سداد دين أو نقلاً بين حسابات الشخص نفسه. لذلك يجب أن يكون أي استخدام ضريبي للبيانات قائماً على القانون والتحليل وليس على افتراض أن كل حركة مالية تمثل دخلاً.
الخصوصية وحماية البيانات
كلما ازدادت قدرة النظام المالي على إنتاج البيانات، أصبحت حماية هذه البيانات أكثر أهمية. لذلك يجب أن يرافق أي نظام من هذا النوع إطار واضح يحدد من يملك البيانات، ومن يستطيع الوصول إليها، ومتى تستطيع جهة مختصة طلبها، ومدة الاحتفاظ بها، وكيف تتم حمايتها من الاختراق أو الاستخدام غير المشروع.
التوازن أساسي: النظام الذي لا ينتج بيانات كافية يصعب عليه مكافحة الاحتيال والجريمة المالية، لكن النظام الذي يجمع البيانات من دون ضوابط قانونية وأمنية قوية يخلق مخاطر من نوع آخر. الهدف يجب أن يكون قابلية التتبع عند الحاجة القانونية، وليس المراقبة الشاملة للمواطنين.
ماذا فعلت دول أخرى؟
التجارب الدولية تظهر أن المصرف المركزي يستطيع توفير البنية والقواعد، فيما يبقى القطاع الخاص مسؤولاً عن التطبيقات والخدمات والابتكار. في البرازيل، مثلاً، أطلق البنك المركزي Pix في تشرين الثاني 2020، وربط المصارف والمؤسسات غير المصرفية ضمن نظام تحويلات فورية؛ ويشير بنك التسويات الدولية إلى أن دور البنك المركزي كمزوّد للبنية وواضع للقواعد، إلى جانب مشاركة المؤسسات الكبرى، كان من عوامل نجاح النظام. [7][8] وفي الأردن، يقدّم نظام CliQ، الذي أطلقته الشركة الأردنية لأنظمة الدفع والتقاص (JoPACC) عام 2020، مثالاً إقليمياً أكثر قرباً من الحالة اللبنانية. فبعد ترقية نظام JoMoPay للمحافظ الإلكترونية إلى معيار ISO 20022 في عام 2021، أصبح من الممكن إجراء تحويلات فورية وقابلة للتشغيل البيني بين الحسابات المصرفية والمحافظ الإلكترونية لدى المؤسسات المشاركة. وتُظهر هذه التجربة عملياً كيف يمكن لبنية دفع وطنية مشتركة أن تربط المصارف ومقدّمي خدمات المحافظ من دون إلغاء دور كل مؤسسة أو تطبيق. [9]
وتكمن الرسالة الأساسية للبنان هنا في أن المصرف المركزي لا يحتاج إلى منافسة المحافظ والمصارف؛ بل يمكنه بناء البنية المشتركة التي تسمح لها بالمنافسة فوقها.
من تعدد المحافظ إلى منظومة وطنية
الأرقام تؤكد أن سوق المدفوعات اللبناني لم يعد هامشياً: من 11 مؤسسة للعمليات الإلكترونية في 2019 إلى 25 مؤسسة في 2025، و19 مؤسسة تشغّل محافظ إلكترونية نشطة في 2025، وأكثر من 4,800 نقطة خدمة. وفي الوقت نفسه، يمتلك مصرف لبنان BDL-RTGS وBDL-CLEAR وإدارة متخصصة بأنظمة الدفع، بينما يعمل لبنان على رقمنة الإدارة الضريبية وتعزيز الامتثال.
لذلك ربما لا تكون الخطوة التالية إنشاء تطبيق جديد، بل ربط ما هو موجود بالفعل.
LIPS، بهذا المفهوم، ليس محفظة جديدة ولا منافساً للمصارف أو شركات الدفع. إنه مقترح لبنية تحتية مالية وطنية تسمح لهذه المؤسسات بأن تتعامل مع بعضها بصورة فورية، وفق قواعد موحدة وإشراف واضح، بما يمكن أن يعزز المنافسة والشمول المالي، ويخفض الاعتماد على النقد، ويوفر بيانات أفضل لمكافحة الاحتيال والجرائم المالية، ويدعم التحول الرقمي للدولة والإدارة الضريبية.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يُطرح أمام مصرف لبنان والحكومة والقطاع المالي: إذا كان اللبنانيون ينتقلون بالفعل نحو خدمات مالية جديدة، فهل حان الوقت لأن تنتقل البنية التحتية المالية اللبنانية معهم؟

الأكثر قراءة

لبنان 9/14/2026 2:19:00 PM
أصدر "حزب الله" بيان أعلن فيه ضمناً تبرؤه من كل من يتكلم باسمه من محللين وصحافيين، فمن كان يقصد؟ وماذا يحصل داخل آلته الإعلاميّة؟
لبنان 9/13/2026 6:52:00 PM
ختمت الإدارة بيانها بالتأكيد أنها تؤمن بأنه "كما نهض القصر من بين الركام، سينهض لبنان من جديد"، وأن الجنوب "بكل ما يمثله من صمود وتاريخ، سينهض معه"...
لبنان 9/14/2026 10:28:00 AM
ما صحة محاصرة عناصر من الحرس الثوري في علي الطاهر؟