موازنة 2027 على خط النار: هل يدفع المواطن تكلفتها؟
د. علي حمّود - باحث في العلاقات الدولية والاقتصاد
دخلت موازنة لبنان لعام 2027 مرحلة الاختبار السياسي والاقتصادي. فقد أحالت وزارة المال مشروع الموازنة على مجلس الوزراء ضمن المهلة الدستورية، وبدأت الحكومة بمناقشته بنداً بنداً. لكن خلف الأرقام والإجراءات الدستورية يبرز سؤال أكثر أهمية: من سيدفع تكلفة الدولة اللبنانية في عام 2027؟
تستهدف موازنة 2027 إيرادات ونفقات بقيمة نحو 614.95 تريليون ليرة، بزيادة تبلغ 14.2% عن موازنة 2026. لكن الرقم الأكثر دلالة هو حجم الإيرادات الضريبية، المقدّرة بنحو 528.2 تريليون ليرة، أي قرابة 86% من إجمالي الإيرادات.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية. لا أحد يجادل في أن الضرائب ضرورية لتمويل الدولة. لكن السؤال هو: هل يدفع المواطن الضرائب ضمن نظام عادل، أم يتحول إلى المصدر الأسهل لتمويل خزينة الدولة؟
ضريبة القيمة المضافة وحدها مقدّرة بنحو 205.7 تريليونات ليرة، أي نحو 39% من الإيرادات الضريبية. وبما أن الضرائب غير المباشرة تُحمّل جزءاً كبيراً من تكلفتها للمستهلك، فإن المواطن يدفع للدولة في كل مرة يشتري فيها سلعة أو خدمة.
وقد لا تتضمن الموازنة ضريبة جديدة مباشرة على المواطن، لكن عدم فرض ضريبة جديدة لا يعني بالضرورة عدم زيادة العبء الضريبي الفعلي. فإذا ارتفعت الإيرادات الضريبية نتيجة زيادة التحصيل والرسوم والضرائب على الاستهلاك، يبقى المواطن هو من يتحمل جزءاً أساسياً من التكلفة.
المشكلة أن لبنان لا يزال يعاني آثار الانهيار المالي والمصرفي، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع تكلفة المعيشة، وضعف الخدمات العامة. لذلك فإن تحميل الاقتصاد والمستهلك مزيداً من الأعباء من دون إصلاحات بنيوية قد يحوّل الموازنة إلى أداة لإدارة الأزمة، لا إلى وسيلة للخروج منها.
الأكثر إثارة للقلق هو تركيب النفقات. فالنفقات الجارية تصل إلى نحو 548.3 تريليون ليرة، أي قرابة 89% من إجمالي الإنفاق، بينما لا يتجاوز الإنفاق على اكتساب الأصول الثابتة، وهو الأقرب إلى الإنفاق الاستثماري، نحو 66.6 تريليون ليرة، أو 10.8%.
أما الرواتب والأجور والمنافع الاجتماعية فتبلغ نحو 329.2 تريليون ليرة، أي 53.5% من إجمالي الموازنة.
وهنا يطرح السؤال نفسه: إذا كانت الدولة تجمع مئات التريليونات من الليرات، فكم منها يعود إلى الاقتصاد على شكل استثمار ونمو وفرص عمل؟
لبنان يحتاج إلى موازنة إنتاجية، لا موازنة تقوم أساساً على زيادة التحصيل. المطلوب توسيع القاعدة الضريبية، مكافحة التهرب، معالجة الاقتصاد غير الرسمي، تحسين إدارة مؤسسات الدولة، واستثمار الأصول والمرافق العامة بكفاءة.
كما أن العدالة الضريبية تقتضي ألا يكون الموظف والمستهلك الحلقة الأسهل في سلسلة التحصيل، بينما تبقى أجزاء واسعة من الاقتصاد خارج النظام الضريبي الفعلي.
وبعد الانهيار المصرفي، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: كيف يمكن مطالبة المواطن بدفع المزيد قبل استعادة الثقة بالدولة ومؤسساتها ومعرفة أين ذهبت أموال الدولة في السنوات الماضية؟
لذلك، فإن موازنة 2027 ليست مجرد أرقام. إنها اختبار لثقة اللبنانيين بالدولة.
السؤال الحقيقي ليس فقط هل الموازنة متوازنة؟ بل على حساب من تحقق هذا التوازن؟
إذا تحقق التوازن من خلال ضرائب ورسوم يتحملها المواطن، بينما يبقى الاستثمار والإصلاح محدودين، فإن الدولة تكون قد حققت توازناً في دفاترها، لا في حياة مواطنيها.
أما إذا تحقق من خلال مكافحة التهرب، وتوسيع القاعدة الضريبية، واستثمار أصول الدولة، وخفض الإهدار، وتحفيز الإنتاج والنمو، فحينها يمكن القول إن لبنان بدأ بالانتقال من اقتصاد الضرائب إلى اقتصاد التعافي.
وهذه هي المعركة الحقيقية لموازنة 2027: ليس كم ستجمع الدولة، بل من سيدفع، ومن سيستفيد، وماذا سيعود على اللبناني؟
نبض