الفجوة المتحركة: من الودائع والثروات إلى مداخيل الأسرة

منبر 15-09-2026 | 12:30

الفجوة المتحركة: من الودائع والثروات إلى مداخيل الأسرة

كل دولار إضافي في سعر البرميل ينعكس، بحسب التقدير، بزيادة تراكمية تبلغ ستة وثلاثين دولاراً حين تُحتسب الكلفة غير المباشرة أيضاً: دولار وعشرون سنتاً على بنزين الصناعة، ودولار ونصف على الأفران، وخمسون سنتاً على كلفة النقل والزراعة، إضافة إلى كلفة التدفئة والتبريد المنزليين معاً.

الفجوة المتحركة: من الودائع والثروات إلى مداخيل الأسرة
منشآة نفطية (أ ف ب)
Smaller Bigger

د. بيار الخوري 

 

منذ اشتداد التوترات في مضيق هرمز، ارتفع سعر برميل خام برنت من قاعدة سعرية بلغت سبعة وستين دولاراً إلى مستوى المئة دولار، أي بزيادة قدرها ثلاثة وثلاثون دولاراً للبرميل الواحد. هذا الرقم، الذي قد يبدو للوهلة الأولى شأناً من شؤون أسواق الطاقة العالمية البعيدة، ينزل في الواقع اللبناني درجة درجة حتى يستقرّ في جيب الأسرة المدينية المتوسطة. فصفيحة بنزين 95 ارتفعت وحدها بما يقارب تسعة وعشرين دولاراً ونصف الدولار، وصفيحة المازوت بسبعة وعشرين دولاراً وثمانين سنتاً، وأسطوانة الغاز المنزلي بثلاثة عشر دولاراً وثلاثين سنتاً، في أثر مباشر يطال المولّد الخاص والتدفئة والتكييف والطهو في آن واحد، إذ لا فرق عند فاتورة الطاقة بين برد الشتاء وحر الصيف؛ فالتكييف يستهلك من كيلووات المولّد ما تستهلكه المدفأة من المازوت، ويقع تحت السقف السعري نفسه.

الأثر المباشر ليس سوى الطبقة الظاهرة؛ فكل دولار إضافي في سعر البرميل ينعكس - بحسب التقدير - بزيادة تراكمية تبلغ ستة وثلاثين دولاراً، حين تُحتسب الكلفة غير المباشرة أيضاً: دولار وعشرون سنتاً على بنزين الصناعة، ودولار ونصف على الأفران، وخمسون سنتاً على كلفة النقل والزراعة، إضافة إلى كلفة التدفئة والتبريد المنزليين معاً. حين تُجمع هذه العناصر على مدى زيادة الثلاثة وثلاثين دولاراً، يصل العبء الشهري الإضافي على الأسرة الواحدة إلى ما يقارب ألفاً ومئة وثمانية وثمانين دولاراً، أي ما يعادل تسعة وثلاثين دولاراً وستين سنتاً يومياً عند كل زيادة يومية بدولار واحد في سعر البرميل. وهذا رقم شهري متكرر لا سنوي، بما يعني أن الأسرة لا تواجه صدمة واحدة يمكن استيعابها تدريجياً، بل التزاماً شهرياً إضافياً يقترب، إن استمر مستوى الارتفاع الحالي، من أربعة عشر ألفاً ومئتين وستة وخمسين دولاراً على مدى سنة كاملة. 

الأثر لا يتوقف عند حدود الطاقة والنقل، بل يمتد إلى التجارة والسلع، والتعليم، والصحة، والسياحة والضيافة، والاتصالات، والعقارات والإيجارات، والخدمات البلدية، بما يحوّل الفجوة من فجوة استهلاك طاقويّ محض إلى فجوة معيشية شاملة تطال كلّ قطاع تقريباً في حياة الأسرة اليومية.

هنا يبدأ السؤال الحقيقي، ذلك أن كلّ هذه الأرقام تفترض ضمناً وجود دخل يقابلها، بينما الدخل الحقيقي للأسرة اللبنانية في انكماش مستمر، والأجور الاسمية جامدة عند مستويات لا تعكس لا التضخم المتراكم منذ الانهيار، ولا الصدمات الخارجية المتلاحقة. حين يرتفع العبء الشهري بمقدار مركّب يبلغ ستة وثلاثين دولاراً عن كل دولار في سعر البرميل، بينما يبقى الراتب على حاله، فإن الفارق لا يتبخر؛ إنه ينتقل إلى مكان آخر. وهذا الانتقال هو ما يستحق التفكيك، لا الرقم بذاته.

 

(النهار)
(النهار)

 

في إطار مقاربة "تصدير الثمن" الذي حكم قراءاتي السابقة للنظام المالي اللبناني، لم تكن كلفة الانهيار المصرفي توزَّع يوماً وفق مسؤولية من تسبّب بها، بل وفق قدرة كل طرف على المقاومة. المودع الصغير تحمّل ما لم يتحمّله كبار المساهمين، والمواطن العادي دفع فاتورة سياسات نقدية لم يشارك في صياغتها. الآلية نفسها تتكرر هنا مع صدمة مصدرها هذه المرة مضيق بعيد جغرافياً، لكنه قريب أثراً: كلفة اقتصادية كلية تُصدَّر إلى المستوى الأسري الفردي، حيث تتحول من رقم في فاتورة الاستيراد الوطنية إلى قرار يومي بشأن أيّ دواء يُشترى وأيّ وجبة تُختصر.

يمكن، كمحاكاة عمل منهجية لا كحقائق وارقام موثقة علمياً، أن نتلمّس عدة قنوات لهذا التمويل الخفي؛ أولها إحلال استهلاكي واسع، لا يقتصر على استبدال سلعة بأخرى أرخص، بل يطال أحياناً الدواء نفسه، حين تستبدل الأسرة صنفاً فعالاً بصنف أقل كلفة وأقل فاعلية، في مقايضة صحية مؤجلة الأثر. وبالتوازي مع هذا الإحلال الاستهلاكي، ثمة إحلال طاقوي بدأ يتسع أثره: التحول نحو الألواح الشمسية والسيارات الكهربائية كمصدر طاقة نظيف، لا كخيار بيئي بقدر ما هو محاولة للانفكاك جزئياً عن معادلة سعر البرميل المتقلبة. لكن هذا الإحلال نفسه يحمل كلفة رأسمالية أولية تفوق قدرة كثير من الأسر، ما يجعله ملاذاً متاحاً لشريحة محدودة القدرة الادخارية، بينما تبقى الأغلبية أسيرة أنظمة الطاقة التقليدية وتقلباتها السعرية.

وثانيها اتكاء متزايد على جمعيات المساعدة الأهلية والدينية، لا كمكمّل للحماية الاجتماعية الرسمية، بل كبديل شبه كامل عنها في غياب شبكة أمان حكومية فاعلة. وثالثها تعدّد مصادر الدخل، حيث يضطر الفرد الواحد إلى عمل ثانٍ أو ثالث، غير المنظم غالباً، بما يرفع ساعات العمل من دون أن يرفع بالضرورة الاستقرار الوظيفي.

القناة الرابعة تخص بنية الأسرة ذاتها: دخول أفراد جدد، من النساء والشباب، إلى سوق العمل بشكل نظامي أو غير نظامي، في تحوّل ديموغرافي فرضته الضرورة الاقتصادية لا الاختيار الطوعي. وخامسها مساعدات المغتربين، التي ظلت لعقود صمام أمان تقليدياً للاقتصاد اللبناني، لكنها تواجه اليوم ضغطاً مزدوجاً، إذ إن المغترب نفسه يجد نفسه في بلد الاستقبال أمام تضخم وكلفة معيشة مرتفعة، ما يحدّ من قدرته على الاستمرار في تحويلاتٍ بالمستوى الذي اعتادت عليه الأسرة في الداخل. وسادسها بيع المقتنيات، وفي مقدّمها الذهب، بوصفه تصفية لمدّخرات لم تُراكَم في سنة واحدة، بل عبر أجيال، فتتحول حلية العرس أو إرث الجدة إلى سيولة نقدية تُستنفد في فاتورة كهرباء أو مصاريف مدرسية. أما سابعها فهو نوعية المدرسة والجامعة والنفقات الأقلّ مقابل تراجع مخرجات التعليم.  

وأخيراً، ثمة احتمال متزايد للاندراج في الاقتصاد غير الرسمي وغير الشرعي، كملاذ أخير حين تُستنفد القنوات الأخرى جميعها

 الظاهرة، التي يمكن قياسها بالدولار وتوقيتها باليوم، تتحول عبر هذه القنوات إلى فجوة بنيوية أعمق لكنها خفية: تآكل في رأس المال الصحي، وتآكل في رأس المال التعليمي، وتآكل في رأس المال الاجتماعي الذي راكمته أجيال سابقة كضمانة لأجيال لاحقة. وحتى محاولات الانفكاك الجزئي، كالتحول نحو الطاقة الشمسية، تظل محكومة بمنطق الفجوة نفسه: فهي حل متاح لمن يملك أصلاً هامشاً ادخارياً يسمح له بالاستثمار في التحرر من التقلب، لا لمن استُنفدت مدخراته أصلاً في تمويل الفارق الشهري. وكلفة اليوم المؤجلة ستظهر لاحقاً، لا بالدولار المباشر، بل في صورة جيل أقلّ تعليماً ومجتمع أضعف تماسكاً، حين لا يعود هناك رقم يوثّق الكلفة لأنها ستكون عندها واقعاً معاشاً لا مجرد بند في موازنة.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

لبنان 9/14/2026 2:19:00 PM
أصدر "حزب الله" بيان أعلن فيه ضمناً تبرؤه من كل من يتكلم باسمه من محللين وصحافيين، فمن كان يقصد؟ وماذا يحصل داخل آلته الإعلاميّة؟
لبنان 9/13/2026 6:52:00 PM
ختمت الإدارة بيانها بالتأكيد أنها تؤمن بأنه "كما نهض القصر من بين الركام، سينهض لبنان من جديد"، وأن الجنوب "بكل ما يمثله من صمود وتاريخ، سينهض معه"...
لبنان 9/14/2026 10:28:00 AM
ما صحة محاصرة عناصر من الحرس الثوري في علي الطاهر؟