في لبنان… من يدافع عن الفكرة ومن يعبد الشخص؟

منبر 15-09-2026 | 10:34

في لبنان… من يدافع عن الفكرة ومن يعبد الشخص؟

يُقال: "الحرّ يدافع عن الفكرة مهما كان قائلها، والعبد يدافع عن الشخص مهما كانت فكرته".
في لبنان… من يدافع عن الفكرة ومن يعبد الشخص؟
علم لبنان
Smaller Bigger

الدكتور عبّاس حيدر

 

 

يُقال: "الحرّ يدافع عن الفكرة مهما كان قائلها، والعبد يدافع عن الشخص مهما كانت فكرته".
ليست هذه المقولة مجرّد حكمة فلسفية، بل هي امتحان حقيقي للوعيّ السياسي، خصوصاً في لبنان، حيث اعتدنا أن نرى السياسة من خلال الأشخاص قبل الأفكار، وأن نقيس صحّة الموقف بهوية قائله، لا بمضمونه ونتائجه.
في لبنان، قد يقول خصمك كلاماً صحيحاً، فتبحث عن ألف سبب لرفضه، فقط لأنّه خصمك. وقد يقول حليفك كلاماً خاطئاً، فتبحث عن ألف مبرّر للدّفاع عنه، فقط لأنّه حليفك.
وهنا تبدأ المشكلة، حين يصبح الانتماء أقوى من العقل. ليس العيب في أن تنتمي إلى حزب أو حركة أو تيار أو طائفة أو مشروع سياسي. الانتماء حاجة إنسانية وسياسية، وقد يكون عنصر قوّة حين يكون واعياً ونقدياً.
لكن الخطر يبدأ عندما يتحوّل الانتماء إلى إلغاء للعقل، عندما يصبح نقد الزّعيم خيانة، ومراجعة الحزب مؤامرة، والاعتراف بخطأ الحليف ضعفاً، بينما يصبح كلّ ما يصدر عن الخصم خطأً حتى لو كان صواباً. هنا لا يعود المواطن مواطناً حراً، بل يتحوّل إلى مدافع عن الأشخاص ولو على حساب الأفكار.
كم من فرصة ضاعت لأنّنا رفضناها، ولأنّ صاحبها ينتمي إلى الفريق الآخر فقط؟ وكم من خطأ مرّ بلا محاسبة لأنّ مرتكبه ينتمي إلى جماعتنا؟ وكم من أزمة تحوّلت إلى انقسام طائفي وسياسي لأنّنا ناقشنا "من قال" بدل أن نناقش "ماذا قال"؟ لقد أصبحنا، في كثير من الأحيان، أسرى ثنائية قاتلة: إن قالها حليفنا فهي حكمة، وإن قالها خصمنا فهي مؤامرة. وهذه العقلية لا تبني دولة. الدولة تُبنى عندما تصبح الحقيقة أعلى من الأشخاص، والمصلحة الوطنية أعلى من الحسابات الحزبية، والمواطن أعلى من الزعيم. لا أحد فوق النّقد
في الحياة السياسية، لا يوجد إنسان معصوم من الخطأ، لكن الفرق بين مجتمع حيّ ومجتمع مأزوم هو أنّ الأوّل يمتلك شجاعة تصحيح الخطأ، بينما الثاني يبرّر الخطأ لأنّه صادر عن "الجماعة". إنّ احترام المسؤول لا يعني تعطيل العقل أمامه، والوفاء للحزب لا يعني التّخلّي عن الضّمير، والالتزام بالمقاومة أو الدولة أو أي مشروع سياسي لا يعني أن نمنح أحداً شيكاً مفتوحاً على حساب الوطن. نحن نحتاج إلى قيادات قويّة، لا إلى جماهير ضعيفة. والقيادة القويّة لا تخاف النّقد، بل تحتاج إليه. أخطر ما في لبنان ليس الخلاف؛ الخلاف ليس خطراً. أن نختلف حول سلاح المقاومة، أو دور الدولة، أو الاقتصاد، أو الإصلاح، أو السياسة الخارجية، أو كيفية حماية الجنوب، هو أمر طبيعي في مجتمع ديمقراطي. الخطر الحقيقي هو أن نفقد القدرة على الاختلاف من دون أن نلغي بعضنا البع؛ أن يصبح الآخر خائناً لأنّه اختلف مع؛ أن يصبح المختلف في الرأي عدوا!
أن يتحوّل النقاش السياسي إلى تخوين، والطائفة إلى متراس، والحزب إلى هوية نهائية، والزعيم إلى مرجعية لا تُناقش، عندها يصبح الوطن مجرّد مساحة جغرافية تتصارع داخلها الولاءات.
فالمواطن الحر لا يُقاس بعدد المرّات التي يصفّق فيها لقيادته، بل بعدد المرّات التي استطاع فيها أن يحتفظ بعقله عندما ضغط عليه الجميع كي يتخلّى عنه. ومن هنا، فإنّ المعركة الحقيقية في لبنان ليست فقط على السّلطة، ولا على المواقع، ولا على الحصص، بل على وعي الإنسان اللبناني نفسه.
هل سيكون مواطناً يفكر أم جمهوراً يُحرّك؟ هل سيكون شريكاً في صناعة القرار أم مجرّد رقم في صناديق الاقتراع، وصوتاً في مهرجان، ومدافعاً دائماً عن أشخاص لا يستطيع مساءلتهم؟
إذا أردنا بناء دولة فعلية في لبنان، فعلينا أن نبدأ من قاعدة بسيطة: لا أحد أكبر من الوطن، ولا فكرة مقدّسة لمجرد أنّ شخصاً محبوباً قالها. يمكن أن نحترم التّاريخ من دون أن نقدّسه. يمكن أن نحترم القادة من دون أن نؤلّههم. يمكن أن نؤمن بالمقاومة من دون أن نغلق باب النّقاش حول أدائها السياسي. يمكن أن نتمسّك بالدولة من دون أن نتحوّل إلى خصوم للمقاومة. ويمكن أن نختلف سياسياً من دون أن نختلف على لبنان نفسه.
هذه هي المعادلة التي نفتقدها: أن نبحث عن المشترك بدل أن نبحث عن الذريعة للانقسام.
لبنان يحتاج إلى أحرا؛. أحرار يقولون الحقيقة لحليفهم قبل خصومهم، ويحاسبون جماعتهم قبل أن يحاسبوا الآخرين، ويضعون الوطن فوق مسؤوليهم، والإنسان فوق الطّائفة، والحقّ فوق الاصطفاف، لأنه حين يصبح الشخص أهمّ من الفكرة، يموت النّق؛. وحين يموت النقد، تموت السياسة؛ وحين تموت السياسة، تتحول الدولة إلى ساحة للصراع. أمّا عندما تنتصر الفكرة على الشخص، والعقل على التّبعيّة، والوطن على الزّعامات، فهناك فقط يبدأ لبنان بالخروج من أزمته.

الأكثر قراءة

لبنان 9/14/2026 2:19:00 PM
أصدر "حزب الله" بيان أعلن فيه ضمناً تبرؤه من كل من يتكلم باسمه من محللين وصحافيين، فمن كان يقصد؟ وماذا يحصل داخل آلته الإعلاميّة؟
لبنان 9/13/2026 6:52:00 PM
ختمت الإدارة بيانها بالتأكيد أنها تؤمن بأنه "كما نهض القصر من بين الركام، سينهض لبنان من جديد"، وأن الجنوب "بكل ما يمثله من صمود وتاريخ، سينهض معه"...
لبنان 9/14/2026 10:28:00 AM
ما صحة محاصرة عناصر من الحرس الثوري في علي الطاهر؟