إشكاليات المرحلة الانتقالية في سوريا

منبر 14-09-2026 | 14:05

إشكاليات المرحلة الانتقالية في سوريا

مقالة تحليلية عن تحديات المرحلة الانتقالية في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، تشمل العدالة الانتقالية، السلم الأهلي، الاقتصاد والاستثمارات الوطنية والدولية.

إشكاليات المرحلة الانتقالية في سوريا
Smaller Bigger

خالد حرب*

 

بعد سقوط نظام الأسد، ظنّ كثيرون أن زمن المعاناة والقهر والتشرّد قد ولّى إلى غير رجعة. وكانت كمية التفاؤل كبيرة، بل ومبالغاً فيها جداً، لدى معظم السوريين، وكأن سقوط النظام كفيل وحده بإنهاء سنوات طويلة من المآسي. لكن حجم الدمار الذي أصاب السوريين بفعل الحرب وسياسات النظام القمعية كان أكبر بكثير من أن تتم معالجته في فترة قصيرة، بل يحتاج إلى سنوات طويلة من العمل الجاد على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية كافة.

والآن، وبعد مضي أكثر من سنة ونصف على بدء المرحلة الانتقالية، ما زال التعثر والعجز سمة بارزة فيها. فالغلاء التهم مدخرات الناس، والاقتصاد لم يستعد عافيته، فيما لا تزال البنية التحتية في معظم المناطق مهترئة وتحتاج إلى استثمارات ضخمة لإعادة تأهيلها. أما المهجّرون الذين عاد بعضهم إلى مدنهم وقراهم، فإن قسماً كبيراً منهم عاد بجهود ذاتية وبمساعدة المجتمع الأهلي المحلي، وليس نتيجة برنامج وطني متكامل لإعادة الإعمار وتأمين متطلبات العودة. وتُعدّ مدينة دوما في ريف دمشق مثالاً واضحاً على ذلك.

لكن نقطة التعثر الأهم تبقى العجز عن تحقيق العدالة الانتقالية بصورة فعالة وشاملة، الأمر الذي انعكس سلباً على السلم الأهلي في البلاد. فغياب آليات واضحة للمحاسبة وجبر الضرر والمصالحة ترك جروح الماضي مفتوحة، وساهم في نمو النزعات الطائفية والمناطقية، وصولاً إلى وقوع انتهاكات خطيرة، كما حدث في الساحل والسويداء. ومن دون معالجة جدية لهذه الملفات، سيبقى خطر تجدد التوترات قائماً، وستظل عملية بناء الثقة بين السوريين والدولة الجديدة ناقصة ومهددة.

أما الإشكالية الأخرى، وربما الأكثر تأثيراً في مستقبل البلاد، فهي غياب الاستثمارات الدولية والعربية الكبرى. فباستثناء استثمارات قطرية وتركية متواضعة نسبياً، لم تشهد سوريا حتى الآن تدفقاً استثمارياً يتناسب مع حجم احتياجاتها. وفي المقابل، يبدو أن رجال الأعمال السوريين في الخارج ما زالوا مترددين في المساهمة بصورة حقيقية في المشاريع الأساسية التي تحتاجها البلاد، وهو أمر مفهوم إلى حد ما في ظل غياب بيئة استثمارية مستقرة وواضحة، لكنه في الوقت نفسه يحرم سوريا من رأسمال وخبرات سورية هي في أمسّ الحاجة إليهما.

صحيح أن مناخاً من الحريات أصبح سائداً في البلاد، وهذا تطور لا يمكن إنكاره، إلا أن هذه الحريات تبدو في كثير من الأحيان منفلتة من الضوابط المؤسسية، ومشوّهة لمفهوم الديمقراطية، التي لا تختصر في حرية التعبير، بل تشمل أيضاً حرية الصحافة، والعمل السياسي المنظم، والتعددية، واحترام الاختلاف، والاحتكام إلى القانون والمؤسسات.

وقد انعكس هذا الاضطراب أيضاً على الخطاب العام، مع تنامي خطاب التكفير وإلغاء الآخر، والتهجم على الفنون والثقافة تحت ستار التحريم، وفي بعض الأحيان عبر أصوات ودعاة غير سوريين لا يمتلكون معرفة حقيقية بطبيعة المجتمع السوري وتكوينه الثقافي والديني والاجتماعي. وهذه ربما واحدة من أكثر النقاط إشكالية في مسيرة المرحلة الانتقالية، لأن المجتمع السوري، وخصوصاً في مدنه الكبرى ومنها دمشق، يمتلك تقاليد دينية واجتماعية راسخة اتسمت تاريخياً بالاعتدال والوسطية والانفتاح والتنوع، وكان التصوف والأشعرية جزءاً مهماً من تكوينه الديني على مدى قرون.

وفي مواجهة هذه الإشكالات، تبدو الحكومة في كثير من الأحيان وكأنها تعتمد سياسة «الهروب إلى الأمام»، من خلال الإعلان عن أرقام متفائلة حول مستويات النمو والتعافي، وإعطاء انطباع بأن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح وأن الخير قادم لا محالة. لكن الخطاب المتفائل وحده لا يكفي لمعالجة واقع اقتصادي واجتماعي وسياسي بهذا التعقيد. فالمواطن يريد أن يرى انعكاساً ملموساً على حياته اليومية، لا أن يسمع فقط مؤشرات وأرقاماً لا يشعر بتأثيرها.

ومن هنا، ولكي نتجنب مزيداً من التعثر، لا بد من توسيع دائرة المشاركة في صنع القرار، وإشراك مختلف فئات المجتمع السوري في رسم مستقبل البلاد. وتبرز الحاجة بصورة عاجلة إلى عقد مؤتمر وطني حقيقي، يضم مختلف المكونات والقوى والتيارات والكفاءات السورية، للخروج بخطة عمل واضحة للمرحلة الانتقالية، تتضمن أولويات سياسية واقتصادية واجتماعية وقضائية قابلة للتنفيذ، وجداول زمنية واضحة للمحاسبة وإعادة الإعمار والعودة والاستثمار.

والأهم من ذلك كله هو الاعتماد على الخبرات الوطنية السورية، وهي كثيرة ومتنوعة، سواء داخل البلاد أو في الخارج. فسوريا لا تعاني نقصاً في الكفاءات، وإنما تحتاج إلى حسن الاستفادة منها وإشراكها في عملية بناء الدولة.

إن المرحلة الانتقالية لا يمكن أن تنجح بالاستئثار بالقرار، ولا بإقصاء أي فئة من السوريين، ولا بإدارة الأزمات بالخطاب الإعلامي وحده. فالجميع موجودون في المركب نفسه، وأي ثقب في هذا المركب سيصيب الجميع. ولذلك فإن توسيع المشاركة، وترميم الثقة، وتحقيق العدالة، وإطلاق الاقتصاد، وحماية التنوع السوري، ليست ترفاً سياسياً، بل شروط أساسية لإنقاذ المرحلة الانتقالية ومنع البلاد من الانزلاق إلى أزمات جديدة.

 

*مهندس وأكاديمي وناشط سوري

الأكثر قراءة

النهار بيديا 9/13/2026 2:21:00 PM
أصدر القضاء العراقي أمر قبض بحق أوميد حاجي أحمد، الذي يرد اسمه في جواز سفر بريطاني بوصفه سالم أحمد سعيد. فمن هو رجل الأعمال الذي تتهمه واشنطن بإدارة شبكة لتمويه النفط الإيراني وبيعه على أنه عراقي؟
لبنان 9/13/2026 6:27:00 PM
تم إلقاء القبض على التاجر المسؤول عن إدارة الشبكة.
لبنان 9/13/2026 11:50:00 AM
كانت قوة مشاة إسرائيلية مدعومة، بأكثر من 10 آليات، تقدمت إلى منطقة الدوارة عند أطراف بلدة كفرشوبا الشرقية...
لبنان 9/13/2026 12:33:00 PM
طقس "بوجهين" ينتظر لبنان بدءاً من الثلاثاء: ارتفاع للحرارة ساحلاً مقابل انخفاضها جبلاً وداخلاً، مع ضباب كثيف ورياح تلامس 50 كيلومتراً في الساعة.