إيران تلعب الورقة الأخيرة: الحوثيون في باب المندب!
محمد عبدالله - كاتب وباحث سياسي
منذ اندلاع الصراع الأميركي–الإيراني، اعتمدت طهران على شبكة أذرعها الإقليمية، من "حزب الله" في لبنان، إلى الفصائل العراقية، وصولًا إلى "أنصار الله" الحوثيين في اليمن، في محاولة لتحويل الجغرافيا الإقليمية إلى أوراق ضغط في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.
لكن مسار المواجهة شهد خلال الأشهر الأخيرة تبدلاً واضحاً. فبعدما كان يُنظر الى "حزب الله" باعتباره إحدى أقوى أوراق إيران، تراجع دوره الميداني، فيما انتقل ثقل المواجهة تدريجاً نحو الساحة العراقية، قبل أن تتجه الأنظار اليوم إلى اليمن والبحر الأحمر.
وهنا تكمن خطورة الورقة الحوثية.
إيران تدرك أن الضغط على الولايات المتحدة لا يقتصر على استهداف القواعد العسكرية، بل يمكن أن يتحول إلى أزمة اقتصادية عالمية إذا طاول خطوط الطاقة والتجارة الدولية. فمضيق هرمز وحده كان يمر عبره يومياً نحو 20.9 مليون برميل من النفط والمشتقات في النصف الأول من عام 2025، أي ما يعادل نحو 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية وربع تجارة النفط البحرية تقريباً. أما باب المندب، فمرّ عبره نحو 4.2 ملايين برميل يومياً في النصف الأول من 2025.
اليوم، يبدو أن طهران تحاول الإمساك بالورقتين معاً: هرمز من جهة، وباب المندب من جهة أخرى.
وفي تطور بالغ الدلالة، أفادت تقارير حديثة بأن الحوثيين سيطروا على جزيرة بريم "ميون" عند مدخل باب المندب، بالتزامن مع تصعيد استهداف منشآت الطاقة السعودية. وهذا التطور، إذا استمر، يرفع مستوى الخطر على أحد أهم الممرات البحرية التي تربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس.
المعادلة الإيرانية تبدو واضحة: إذا تعذر كسر الولايات المتحدة عسكريًا، فيمكن رفع تكلفة الحرب اقتصادياً، عبر تهديد الطاقة والملاحة والتجارة، ودفع أسعار النفط إلى مستويات تضغط مباشرة على المواطن الأميركي.
وهنا يدخل العامل الانتخابي بقوة.
فالانتخابات النصفية الأميركية المقررة في تشرين الثاني\نوفمبر المقبل تشمل جميع مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 435 مقعداً، إضافة إلى نحو ثلث مقاعد مجلس الشيوخ. وبالتالي فإن استمرار ارتفاع أسعار الوقود والتضخم قد يتحول إلى عبء سياسي مباشر على الحزب الحاكم.
والواقع أن النفط تجاوز بالفعل حاجز 100 دولار للبرميل مع تصاعد المواجهة، فيما حذرت الأسواق من أن اتساع نطاق الهجمات على منشآت الطاقة والممرات البحرية يمكن أن يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى بكثير.
الرئيس دونالد ترامب يقول إن الحرب قد تنتهي بعد الانتخابات، وإن أسعار الطاقة ستتراجع، لكنه في الوقت نفسه يواجه واقعاً ميدانياً أكثر تعقيداً. فالتصعيد لم يعد محصوراً بالأراضي الإيرانية أو مضيق هرمز، بل امتد إلى السعودية والبحر الأحمر، ما يعني أن هامش المناورة الأميركية أصبح أكثر صعوبة.
وإذا نجحت إيران في إبقاء هرمز تحت الضغط، بالتوازي مع تحويل باب المندب إلى جبهة بحرية مفتوحة، فإن العالم سيكون أمام أزمة مزدوجة: الطاقة من الخليج، والتجارة من البحر الأحمر.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي: من يصرخ أولاً؟
إيران تراهن على أن ارتفاع تكلفة الحرب سيضغط على واشنطن، وترامب يراهن على أن الضغط الاقتصادي والعسكري سيجبر طهران على التراجع. وبين الرهانين، يبقى النفط المؤشر الأخطر.
فإذا تحولت أسعار الطاقة إلى أرقامٍ قياسية واقترب النفط من مستويات 150 أو حتى 200 دولار، فلن تبقى الحرب مواجهة أميركية–إيرانية فحسب، بل ستتحول إلى أزمة اقتصادية عالمية، وقد تصبح الانتخابات الأميركية نفسها جزءاً من معركة الشرق الأوسط.
إيران قد تكون اليوم في صدد لعب ورقتها الأخيرة: "أنصار الله" في باب المندب. وإذا أغلقت طهران هرمز ونجح الحوثيون في خنق باب المندب، فإن المعركة لن تكون على مضيقين فحسب، بل على الاقتصاد العالمي بأكمله.
نبض