العشاء الأخير

منبر 11-09-2026 | 14:34

العشاء الأخير

لا يرمز العشاء الأخير دائماً إلى طاولةٍ وطبقٍ وكأس ماء. أحياناً يكون رسالةً لم نرسل بعدها شيئاً، أو مكالمةً انتهت ولم تتكرر، أو لقاءً عابراً في شارعٍ لم نكن نعلم أننا سنمر به للمرة الأخيرة مع ذلك الشخص. في هذه الحياة، لكل شيء تقريباً لحظته الأخيرة: آخر سلام، آخر عناق، آخر ضحكة مشتركة، وآخر حديث يبقى صداه معنا لسنوات.
العشاء الأخير
تعبيرية
Smaller Bigger

ملاك وجيه شميطلي

 

 

لا يرمز العشاء الأخير دائماً إلى طاولةٍ وطبقٍ وكأس ماء. أحياناً يكون رسالةً لم نرسل بعدها شيئاً، أو مكالمةً انتهت ولم تتكرر، أو لقاءً عابراً في شارعٍ لم نكن نعلم أننا سنمر به للمرة الأخيرة مع ذلك الشخص. في هذه الحياة، لكل شيء تقريباً لحظته الأخيرة: آخر سلام، آخر عناق، آخر ضحكة مشتركة، وآخر حديث يبقى صداه معنا لسنوات.
نعيش غالباً كأن الأشخاص سيبقون إلى الأبد، كأن الوقت يملك متسعاً دائماً لجملة أخرى، ولقاء آخر، واعتذار مؤجل، وكلمة حب يمكن قولها لاحقاً. لكن الحياة لا تعمل بهذه الطريقة. فهي تمضي بصمت، وتأخذ معها أشخاصاً وذكريات وفصولاً كاملة من أعمارنا، تاركةً لنا ما قلناه وما لم نقله.
قد يكون العشاء الأخير بين حبيبين قررا أن يفترقا رغم ما بينهما من مودة. يجلسان أمام بعضهما البعض، يعرفان أن هذه المرة مختلفة، وأن المشاعر التي بنياها معاً لن تختفي، لكنها ستتخذ شكلاً آخر. وقد يكون بين صديقين اكتشف أحدهما أن الطريق لم يعد واحداً، فيختار الوداع بدلاً من الاستمرار في
علاقة فقدت معناها. وقد يكون بين ابنٍ ووالدٍ أو أمٍ لم يكن أحد يعلم أن تلك الجلسة العادية، وذلك الكوب من الماء، وتلك الضحكة العابرة، ستكون الذكرى الأخيرة قبل الرحيل.
المؤلم في النهايات أننا نادراً ما نتعرف إليها وهي تحدث. لا أحد يخبرنا أن هذه هي آخر صورة سنلتقطها مع شخص نحبه، أو آخر مرة سنسمع فيها صوته، أو آخر مرة سنسير فيها إلى جانبه. لذلك تتحول أبسط التفاصيل لاحقاً إلى كنوز؛ كلمة عابرة، نظرة دافئة، أو حتى صمت جلس بين شخصين وكان أصدق من ألف حديث.
وربما لا تكمن قيمة العشاء الأخير في الوداع نفسه، بل في الوعي الذي يسبقه. أن ندرك أن الأشخاص لا يتكررون، وأن النسخة التي أمامنا اليوم لن تعود كما هي غداً. لا الحبيب، ولا الصديق، ولا الأب، ولا الأم، ولا حتى نحن أنفسنا. لذلك يصبح الحضور الكامل مع من نحب شكلاً من أشكال الامتنان للحياة.
هناك من يهرب من المواجهة، ويتجنب اللقاء الأخير خوفاً من المشاعر أو من الكلمات التي قد تقال. وهناك من يختار الجلوس حتى النهاية، لا لأن الوداع سهل، بل لأن الوضوح أكثر احتراماً من الغياب المفاجئ. فالنضج ليس في الهروب من النهايات، بل في القدرة على مواجهتها بصدق، مهما كانت مؤلمة.
ومع ذلك، ليست كل النهايات جميلة. بعضها قاسً، وبعضها يترك جروحاً وأسئلة بلا إجابات. هناك أشخاص يرحلون تاركين خلفهم خيبة أو ألماً أو عدم احترام، وأشخاص لا يستحقون وردةً متأخرة بعد أن بخلوا بالمحبة وهم حاضرون. لكن حتى في تلك اللحظات، يبقى ما نستطيع التحكم به هو تصرفاتنا نحن، والطريقة التي نختار بها أن نغادر أو أن نودع.
في النهاية، لكل واحدٍ منا عشاءه الأخير مع أشخاصٍ كثيرين، سواء أدرك ذلك أم لم يدركه. لذلك ربما يكون الدرس الأهم هو أن نقول ما يجب أن يُقال قبل فوات الأوان، وأن نمنح الوقت لمن يستحقه، وأن نترك خلفنا أثراً يشبهنا. لأن الحياة فانية، ولأن أجمل ما يمكن أن نحمله من النهايات ليس الندم، بل الطمأنينة الى أننا كنّا حاضرين بكل قلوبنا حتى آخر لحظة.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

لبنان 9/10/2026 1:04:00 PM
حدّد القرار شروطاً فنية لتركيب الألواح على أسطح الأبنية.
لبنان 9/10/2026 2:44:00 PM
المجلس الدستوري يوقف مفعول قانون العفو العام... ماذا يعني القرار؟
لبنان 9/10/2026 8:05:00 PM
وزارة الطاقة تؤكد أن القرار المتعلق بتركيب أنظمة الطاقة الشمسية بأقل من 1.5 ميغاوات موقت، ولا يستحدث تكاليف إضافية على المواطنين.
لبنان 9/10/2026 9:24:00 PM
رصد نظام الإنذار زلزالاً في جنوب لبنان عقب التفجير الذي نفذه الجيش الإسرائيلي في مرتفعات علي الطاهر بلغت قوته 4.1 درجة على مقياس ريختر.