«تسليم السلاح… على حساب المسيحيين أم على حساب كل لبنان؟»

منبر 11-09-2026 | 14:27

«تسليم السلاح… على حساب المسيحيين أم على حساب كل لبنان؟»

لا يجوز أن يكون لبنان مجرد ساحة تُعاد فيها صياغة موازين القوى من الخارج.
وأي تفاهم يتعلق بسلاح لبنان، أو حدوده، أو أرضه، أو مستقبله السياسي، يجب أن يحمي سيادته وأن يمر عبر مؤسساته الدستورية، لا أن يتحول إلى واقع مفروض عليها.
لا نريد أن نستبدل سلاحاً باحتلال
«تسليم السلاح… على حساب المسيحيين أم على حساب كل لبنان؟»
تعبيرية
Smaller Bigger

بسام صرّاف

 

هناك سؤال لم يعد يجوز تأجيله، ولا تغطيته بشعارات السيادة والدولة والإصلاح:
إذا كان المطلوب حصر السلاح بيد الدولة، فمن يضمن ألّا يكون ثمن استعادة الدولة هو إضعاف الشراكة المسيحية داخلها؟
نعم، لا دولة مع سلاح خارج مؤسساتها الشرعية.
ونعم، لا سيادة كاملة مع قرار أمني وعسكري موزّع بين الدولة وأطراف أخرى.
ونعم، الجيش اللبناني يجب أن يكون صاحب القرار العسكري الوحيد على كامل الأراضي اللبنانية.
لكن السؤال الأخطر هو:
أي دولة نريد أن نستعيد؟
دولة قوية ومتوازنة، أم دولة تستعيد احتكار السلاح فيما تستمر، في الوقت نفسه، اختلالات التمثيل والشراكة داخل مؤسساتها؟
هذه ليست معركة مسيحية ضد طائفة أخرى.
هذه معركة من أجل لبنان.
لا نريد دولة تستعيد السلاح وتفقد الشراكة
المسيحيون في لبنان لا يطلبون دولة تحمي سلاحهم، ولا يريدون سلاحاً خارج الشرعية.
على العكس.
المطلوب دولة واحدة، وجيش واحد، وقرار أمني وعسكري واحد.
لكن الدولة التي نريدها ليست مجرد سلطة تستعيد السلاح من خارجها، ثم تترك التوازن الوطني يتآكل من داخلها.
فالدولة القوية لا تُقاس فقط بقدرتها على حصر السلاح.
تُقاس أيضاً بقدرتها على حماية الشراكة الوطنية، واحترام التوازن، وضمان تمثيل مكوّناتها في مؤسساتها.
لذلك، فإن السؤال المسيحي ليس:
«كيف نحافظ على السلاح؟»
بل:
«كيف نحافظ على الدولة والشراكة معاً؟»
لا أحد يطلب من المسيحيين حماية السلاح
من الخطأ وضع المسيحيين أمام معادلة زائفة تقول إن المطالبة بالشراكة تعني الدفاع عن السلاح خارج الدولة.
هذا غير صحيح.
المسيحي الذي يطالب بدولة قوية لا يدافع عن سلاح غير شرعي.
والمسيحي الذي يطالب بتوازن المؤسسات لا يطالب بامتياز طائفي.
والمسيحي الذي يريد دوراً فاعلاً في الدولة لا يريد دولة للمسيحيين.
يريد دولة يشعر فيها كل لبناني أن موقعه محفوظ، وأن حقوقه السياسية لا تتراجع كلما تغيرت موازين القوى.
وهنا تحديداً تكمن المشكلة.
إذا كان لبنان ذاهباً إلى مرحلة جديدة عنوانها حصرية السلاح بيد الدولة، فيجب أن تكون هذه المرحلة أيضاً عنواناً لإعادة بناء الثقة بين اللبنانيين.
لا أن ينتقل لبنان من اختلال أمني إلى اختلال سياسي جديد.
وعلي الطاهر… عندما تصبح الأرض جزءاً من الاختبار
وهنا تبرز قضية علي الطاهر، لا باعتبارها دليلاً على وجود صفقة سرية، بل باعتبارها واقعة ميدانية تطرح سؤالاً مباشراً عن معنى السيادة اللبنانية.
بحسب التقارير المنشورة، طُرح ضمن المسار الأميركي المتعلق بنزع سلاح حزب الله أن تنتقل السيطرة على التلة إلى الجيش اللبناني، لكن الاقتراح لم يُقبل من حزب الله. وفي المقابل، أعلنت إسرائيل في الأيام الأخيرة تحقيق ما وصفته بـ«السيطرة العملياتية» على المنطقة.
هذه هي الوقائع التي يمكن تثبيتها.
أما ما تعنيه هذه الوقائع سياسياً، فهو مجال للتحليل، وليس حكماً نهائياً على وجود تفاهمات سرية أو صفقات إقليمية.
وهنا تحديداً يصبح السؤال اللبناني مشروعاً:
إذا كان الهدف من أي مسار سياسي أو أمني هو تعزيز سلطة الدولة، فلماذا لا تكون القاعدة البديهية أن تنتقل أي منطقة تخلو من السلاح غير الشرعي إلى سلطة الجيش اللبناني؟
وإذا كان المطلوب إنهاء وجود السلاح خارج مؤسسات الدولة، فلا ينبغي أن تكون النتيجة ملء الفراغ العسكري بقوة أجنبية.
التحليل هنا واضح:
السيادة لا تكتمل بمجرد إزالة سلاح طرف لبناني من منطقة ما؛ بل تكتمل عندما تصبح تلك المنطقة تحت سلطة الدولة اللبنانية.
لذلك، فإن قضية علي الطاهر لا تحتاج إلى افتراض صفقة سرية كي تكون سياسية بامتياز.
يكفي أن نسأل:
من يقرر مستقبل الأرض اللبنانية؟
هل هو لبنان عبر مؤسساته الشرعية؟
أم تتحول الوقائع الميدانية والتفاهمات الدولية إلى أمر واقع يحدد مستقبلها؟
المطلوب ليس اتهام واشنطن، ولا إسرائيل، ولا حزب الله مسبقاً بتفاهم غير مثبت.
المطلوب قاعدة سيادية لا تحتمل الالتباس:
أي تسوية تتعلق بأرض لبنانية يجب أن تنتهي إلى الدولة اللبنانية.
لا نريد أن ننتقل من مشكلة السلاح خارج الدولة إلى مشكلة الأرض خارج الدولة.
لا نريد سلاحاً فوق الدولة، ولا واقعاً أجنبياً بدل الدولة.
نريد الدولة.
الطائف… عندما تغيّر ميزان الدولة
لا يمكن مناقشة موقع المسيحيين في لبنان من دون العودة إلى اتفاق الطائف.
فالطائف أنهى الحرب الأهلية، ورسّخ المناصفة بين المسيحيين والمسلمين في مجلس النواب، لكنه أعاد أيضاً توزيع السلطة التنفيذية، وجعل مجلس الوزراء مجتمعاً مركز السلطة التنفيذية، فيما بقي رئيس الجمهورية رئيس الدولة ورمز وحدتها.
ومن هنا يبدأ السؤال الذي لم يُحسم:
هل المشكلة في الطائف نفسه، أم في طريقة تطبيقه؟
المشكلة ليست أن المسلمين حصلوا على شراكة أوسع.
المشكلة تبدأ عندما تتحول الشراكة إلى اختلال.
فالطائف لم يكن تفويضاً بإلغاء الدور المسيحي، كما أن المناصفة لم تكن مجرد ترتيب انتخابي؛ بل كانت جزءاً من محاولة إعادة بناء الدولة على قاعدة المشاركة.
لذلك، إذا كانت بعض بنود الطائف قد طُبّقت، وبقيت بنود أخرى معلقة أو طُبّقت بصورة انتقائية، فإن المطلوب ليس نسف الاتفاق، بل مراجعة التطبيق وتصحيح الخلل.
الرئاسة ليست تعويضاً عن دولة مفقودة
قد يقول البعض إن المسيحيين ما زالوا يحتفظون برئاسة الجمهورية، وبالتالي لا مشكلة في التوازن.
لكن الرئاسة ليست تعويضاً عن ضعف التمثيل في المؤسسات.
رئيس الجمهورية ليس طائفة.
هو رئيس الدولة ورمز وحدتها.
والمسيحيون لا يحتاجون إلى منصب رمزي يعوّض خسارتهم في مؤسسات الدولة، بل إلى دولة تطبّق الشراكة بصورة فعلية.
فالمطلوب ليس استعادة صلاحيات الرئاسة كما كانت قبل الطائف بالضرورة، بل ضمان أن يكون رئيس الجمهورية شريكاً فعلياً في صناعة القرار الوطني، وأن تكون المؤسسات الدستورية متوازنة وقادرة على العمل.
لا صفقة على ظهر المسيحيين
المخاوف المسيحية لا تأتي من فكرة حصرية السلاح بحد ذاتها.
المخاوف تأتي من احتمال أن تتزامن هذه المرحلة مع تفاهمات إقليمية أو دولية تعيد ترتيب موازين القوى داخل لبنان.
وهنا يجب التمييز بين الاحتمال والواقع.
لا يمكن الجزم مسبقاً بأن هناك صفقة إقليمية تستهدف طرفاً لبنانياً بعينه ما لم تتوافر أدلة واضحة عليها.
لكن من حق اللبنانيين أن يطرحوا سؤالاً سياسياً مشروعاً:
إذا كانت هناك تفاهمات دولية أو إقليمية تتناول مستقبل السلاح أو الأمن أو الحدود، فهل ستكون الدولة اللبنانية شريكاً كاملاً في تحديد نتائجها، أم ستكتفي بقبول ما يُفرض عليها؟
هذا هو جوهر المسألة.
لا يجوز أن يكون لبنان مجرد ساحة تُعاد فيها صياغة موازين القوى من الخارج.
وأي تفاهم يتعلق بسلاح لبنان، أو حدوده، أو أرضه، أو مستقبله السياسي، يجب أن يحمي سيادته وأن يمر عبر مؤسساته الدستورية، لا أن يتحول إلى واقع مفروض عليها.
لا نريد أن نستبدل سلاحاً باحتلال
حصرية السلاح بيد الدولة هدف وطني لا خلاف عليه.
لكن حصرية السلاح لا تعني أن نقبل بأي نتيجة تنتج عنها.
إذا أدى خروج السلاح من منطقة ما إلى بقاء الأرض خارج سلطة الدولة، فإن السيادة لا تكون قد اكتملت.
فالسيادة لا تعني فقط أن يكون السلاح في يد الدولة.
السيادة تعني أيضاً أن تكون الأرض تحت سلطة الدولة.
ولهذا فإن المعادلة يجب أن تكون واضحة:
لا سلاح خارج الدولة، ولا أرض خارج الدولة.
فالجيش اللبناني يجب أن يكون البديل عن كل القوى المسلحة، وليس أن يصبح الفراغ الناتج عن انسحاب طرف لبناني فرصة لقوة أجنبية.
الخطر الأكبر: أن نفتح باب الدويلات
عندما تفقد الدولة قدرتها على حماية الجميع، يبدأ كل مكوّن بالبحث عن ضمانته الخاصة.
وحين يشعر المسيحي أنه مهدد، يبحث عن منطقة آمنة.
وحين يشعر السنّي بأنه مهمّش، يبحث عن حماية سياسية.
وحين يشعر الشيعي بأنه مستهدف، يتمسك أكثر ببيئته وسلاحه.
وحين يشعر الدرزي بأن وجوده مهدد، يبحث عن ضمانات خاصة به.
وهكذا يبدأ لبنان بالتفكك من الداخل.
ليس لأن اللبنانيين يريدون التقسيم بالضرورة، بل لأنهم يفقدون الثقة بالدولة.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
لا نريد أربع دويلات داخل لبنان
لا نريد لبناناً يتحول، بفعل الخوف وانعدام الثقة وانهيار الدولة، إلى أربع دويلات طائفية:
دويلة للمسيحيين،
ودويلة للسنّة،
ودويلة للشيعة،
ودويلة للدروز.
هذا ليس مشروع لبنان.
ولا نريد أن تتحول الطوائف الأربع إلى جزر منفصلة، لكل واحدة أمنها ومناطق نفوذها وضماناتها.
لبنان ليس مشروع أربع دول.
الفدرالية التي تولد من خوف الطوائف من بعضها ليست بالضرورة حلاً ناضجاً، بل قد تكون نتيجة لانهيار الثقة.
والكونفدرالية التي تأتي نتيجة عجز اللبنانيين عن العيش معاً قد تتحول إلى محطة على طريق التفكك.
أما التقسيم، فهو النهاية الأخطر لمسار يبدأ بكلمة بسيطة:
"أنا أخاف من الآخر".
لهذا، فإن العلاج ليس أن يحتمي كل مكوّن خلف حدوده الطائفية.
العلاج أن تصبح الدولة أقوى من خوف الجميع.
لا نريد أربع دويلات تحمي طوائفها.
نريد دولة واحدة تحمي اللبنانيين الأربعة.
المطلوب دولة قوية… لا دولة منتقاة
لبنان لا يحتاج إلى معادلة جديدة تقول:
نستعيد السلاح، ونترك بقية الاختلالات إلى وقت آخر.
ولا يحتاج إلى معادلة معاكسة تقول:
نحافظ على السلاح لأن الدولة لم تعد متوازنة.
الاثنان خطأ.
المطلوب مساران يسيران معاً:
حصرية السلاح بيد الدولة، وتصحيح الخلل في الشراكة داخل الدولة.
لا يمكن بناء دولة قوية بنصف سيادة.
ولا يمكن بناء دولة مستقرة بنصف شراكة.
ولا يمكن أن نطلب من اللبنانيين جميعاً أن يثقوا بالدولة، إذا كانت الدولة نفسها لا تعطيهم أسباباً متساوية للثقة بها.
إلى المسيحيين في لبنان
لا تخافوا من الدولة.
طالبوا بها.
لا تخافوا من الجيش.
ادعموه.
لا تخافوا من الشراكة.
تمسكوا بها.
لكن لا تجعلوا الخوف من فقدان الدور سبباً للدفاع عن أي سلاح خارج الشرعية.
المسيحيون لا يحتاجون إلى دولة خاصة بهم.
يحتاجون إلى دولة عادلة.
دولة لا تُقصيهم.
ولا تختزلهم.
ولا تستخدمهم في التسويات.
ولا تطلب منهم أن يدفعوا ثمن صراعات لم يقرروا خوضها.
إلى كل اللبنانيين
هذه ليست قضية المسيحيين وحدهم.
لأن الدولة التي تُضعف شريكاً اليوم، قد تُضعف شريكاً آخر غداً.
والدولة التي تسمح لطائفة بأن تبحث عن ضمانة خارجها، ستدفع كل الطوائف يوماً إلى البحث عن ضماناتها الخاصة.
وهنا ينتهي لبنان.
قبل أن نسأل:
متى يُسلَّم السلاح؟
علينا أن نسأل السؤال الأكبر:
أي دولة ستتسلّم السلاح؟
دولة متوازنة، عادلة، سيادية، تحترم شراكة جميع مكوّناتها؟
أم دولة تستعيد السلاح، وتترك في الوقت نفسه الخلل السياسي والطائفي يتعمق داخل مؤسساتها؟
هنا المعركة الحقيقية.
لأن المعركة ليست فقط على السلاح.
وليست فقط على الأرض.
وليست فقط على الحصص والمواقع.
المعركة على بقاء لبنان دولة واحدة.
لبنان الذي لا يحتاج فيه المسيحي إلى الخوف من الشيعي، ولا الشيعي إلى الخوف من المسيحي، ولا السنّي إلى الخوف من أي منهما، ولا الدرزي إلى الخوف على شراكته.
لبنان الذي تكون فيه الدولة هي الضمانة الوحيدة للجميع.
وإذا فشلنا في بناء هذه الدولة، فلن نخسر السلاح وحده.
قد نخسر الوطن.

 

 

المقاربة الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الاعلامية

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

لبنان 9/10/2026 1:04:00 PM
حدّد القرار شروطاً فنية لتركيب الألواح على أسطح الأبنية.
لبنان 9/10/2026 2:44:00 PM
المجلس الدستوري يوقف مفعول قانون العفو العام... ماذا يعني القرار؟
لبنان 9/10/2026 8:05:00 PM
وزارة الطاقة تؤكد أن القرار المتعلق بتركيب أنظمة الطاقة الشمسية بأقل من 1.5 ميغاوات موقت، ولا يستحدث تكاليف إضافية على المواطنين.
لبنان 9/10/2026 9:24:00 PM
رصد نظام الإنذار زلزالاً في جنوب لبنان عقب التفجير الذي نفذه الجيش الإسرائيلي في مرتفعات علي الطاهر بلغت قوته 4.1 درجة على مقياس ريختر.