العدالة الانتقالية ومظلومية الأكثرية في سوريا
تحليل حول مظلومية الأكثرية السنية في سوريا وأهمية العدالة الانتقالية لتحقيق المصالحة الوطنية وبناء دولة مواطنين حقيقية.
خالد حرب*
يجب الاعتراف، بكل وضوح ومن دون مواربة، بأن نظام الأسد أقام طوال عقود منظومة حكم أمنية قمعية طاولت مختلف شرائح المجتمع السوري وطوائفه. فمنذ مطلع الثمانينيات، لم تكن القبضة الأمنية تميّز بين معارض وآخر على أساس مذهبه أو منطقته، بل كان معيارها الأول الولاء للنظام. كل من عارض السلطة، أو اشتُبه بمعارضته لها، كان عرضة للاعتقال والملاحقة والإقصاء، وصولاً في حالات كثيرة إلى التعذيب والقتل والإخفاء القسري.
لكن هذه الحقيقة العامة لا تلغي حقيقة أخرى لا تقل أهمية: حجم المأساة التي أصابت الأكثرية السنّيّة، خصوصاً بعد اندلاع الثورة السورية في عام 2011، كان استثنائياً بكل المقاييس.
انطلق الحراك الشعبي سلمياً من درعا، ثم انتشر سريعاً إلى مدن ومحافظات سورية عدة. ومع اتساع رقعة الاحتجاجات، تصاعد ردّ نظام الأسد الأمني والعسكري. وبعد انتقال جزء من المعارضة إلى العمل المسلح، وتشكيل الجيش السوري الحر، ثم ظهور فصائل إسلامية وبعض التنظيمات الأكثر تشدداً، انتقلت المواجهة إلى مستويات أشد دموية.
في تلك المرحلة، لجأ النظام إلى استخدام القوة العسكرية الواسعة ضد مناطق خرجت عن سيطرته أو تحولت إلى حواضن للمعارضة. تعرضت مدن وبلدات للحصار والقصف والتدمير، وسقط عشرات الآلاف من المدنيين، فيما امتلأت المعتقلات التابعة للأجهزة الأمنية والعسكرية بالسوريين، ووثقت على امتداد سنوات شهادات مروعة عن التعذيب والموت داخلها.
وكان طبيعياً، بحكم الجغرافيا والديموغرافيا واتساع رقعة الثورة في مناطق ذات غالبية سنّيّة، أن تتحمل هذه البيئة الجزء الأكبر من الخسائر البشرية والمادية. ملايين السوريين غادروا بيوتهم، بعضهم إلى دول الجوار وأوروبا، وبعضهم نازحون داخل بلدهم، فيما دمرت أحياء وقرى ومدن كاملة أو شبه كاملة.
الجرح حقيقي
لهذا، فإن الحديث اليوم عن مظلومية لدى الأكثرية السنّيّة ليس اختراعاً سياسياً ولا خطاباً مصطنعاً. هناك جرح حقيقي، وذاكرة ثقيلة، وعائلات لا تعرف حتى الآن مصير أبنائها، وآلاف يبحثون عن رفات ذويهم أو عن حقيقة ما جرى لهم. لكن الاعتراف بهذه المظلومية يجب ألا يتحول إلى بوابة لإنتاج مظلومية جديدة.
فالعدالة لا تتحقق حين يُحمَّل أبناء طائفة كاملة مسؤولية جرائم ارتكبها نظام وأجهزته وأفراده. وليس كل علوي كان شريكاً في القتل أو التعذيب، كما أن كثيراً من أبناء الطائفة العلوية أنفسهم عاشوا تحت سلطة أمنية قاسية، ودفع بعضهم أثماناً سياسية واجتماعية كبيرة، وإن اختلف حجم المعاناة وطبيعتها بين منطقة وأخرى.
الأمر نفسه ينطبق على الموحدين (الدروز) والإسماعيليين والمسيحيين وسائر المكونات السورية. كثير من هذه الجماعات كان مهمشاً سياسياً، بعيداً عن صناعة القرار الحقيقية، ومحكوماً بمنظومة أمنية مغلقة لا تسمح بوجود حياة سياسية مستقلة أصلاً. من هنا، يجب أن يكون الحساب فردياً، لا جماعياً.
فالمتهم بقتل السوريين يجب أن يحاكم لأنه قتل، ومن عذب يجب أن يحاسب لأنه عذب، ومن أصدر الأوامر بالقصف أو الإخفاء القسري أو التعذيب أو النهب يجب أن يخضع للقضاء وفق أدلة واضحة ومحاكمات عادلة. أما تحويل الانتماء الطائفي إلى تهمة، فهذا لا يبني دولة، إنما يؤسس لحرب أهلية مؤجلة.
وهنا تبرز أهمية العدالة الانتقالية. فهي ليست محاكمات عادية، إنما تمثل مساراً متكاملاً يبدأ بكشف الحقيقة، وفتح ملفات المعتقلين والمفقودين، وحفظ الأدلة، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، وتعويض الضحايا، ورد الحقوق والممتلكات حيث يمكن، وإصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية بما يمنع تكرار ما حدث. وكلما تأخر هذا المسار، ازدادت مساحة الانتقام الفردي والجماعي. فالناس، حين تفقد ثقتها بالدولة وبالقضاء، تبدأ بالبحث عن عدالة خاصة بها. وعندها، تتحول الذاكرة من حق مشروع إلى وقود للثأر.
اعتراف بلا إنكار
إذاً، المطلوب اليوم أن يشعر ابن المعتقل الذي مات تحت التعذيب بأن حق أبيه لن يضيع، وأن تشعر العائلة التي دمر منزلها أو هُجرت من قريتها بأن الدولة الجديدة تعترف بما جرى لها. وفي الوقت نفسه، يجب أن يشعر المواطن العلوي أو الدرزي أو المسيحي أو الإسماعيلي بأنه لن يُدان بسبب اسمه أو مذهبه. بهذه المعادلة وحدها يمكن تضميد بعض جراح السوريين.
إن الاعتراف بمظلومية الأكثرية لا يعني إنكار خوف الأقليات، وحماية الأقليات لا تعني تجاهل ما تعرضت له الأكثرية. العدالة الحقيقية لا تقايض بين الضحايا، ولا ترتب المظالم بحسب الطوائف.
في النهاية، السوريون محكومون بالعيش معاً. لا يمكن طائفة أن تلغي أخرى، ولا أكثرية أن تبني دولة مستقرة بالخوف، ولا أقلية أن تحتمي إلى الأبد بالسلاح أو الخارج. سوريا الجديدة تحتاج إلى عدالة لا إلى ثأر، وإلى دولة مواطنين لا إلى دولة طوائف. وكل طريق آخر قد يبدل مواقع الضحية والجلاد، لكنه لن يخرج البلاد من المأساة التي عاشتها طوال عقود.
نبض