الأسرة أولاً: الدستور وحده لا يصنع المواطن
أحمد شهاب - الكويت
يجلس الأبناء في الصالة، والأب يتشاجر مع أخيه والجميع يحدقون في شاشات هواتفهم كأن العاصفة لا تعنيهم، فيما تهمّ العمة بالتدخل ثم تتراجع خوفاً من أن يُقال أنها مع طرف ضد آخر. الابن الأكبر يشيح بوجهه لأنه يعلم أن كلمة منه ستعني مواجهة مباشرة مع والده أو عمه، وبعد نصف ساعة يهدأ الغبار والصراخ ليس لأن أحداً تكلم بل لأن الجميع استسلموا للصمت.
هذا المشهد الذي يتكرر في بيوت كثيرة ليس مجرد ضعف في التواصل الأسري، وانما هو من منظور علم الاجتماع السياسي أول دروس المواطنة التي يتلقاها الفرد. فالبيت ليس رحم العاطفة فحسب وانما هو المختبر الأول للسلطة والحق والواجب، حيث تتشكل العلاقة الأولى بين الإنسان والسلطة قبل أي كتاب مدرسي أو خطاب سياسي.
في التحليل الاجتماعي تعيد الأسرة التقليدية إنتاج النموذج الأبوي الذي يمتلك سلطة غير قابلة للجدل في تشكيل الرأي العام الأسري بكامله، فأحد الوالدين غالباً ما يمارس سلطة وسيطة ومشتقة، أحدهم يقرر والثاني ينفذ، بينما ينشأ الأبناء في مراتب هرمية صارمة على أساس العمر والجنس، يتعلمون مبكراً أن درجة صوتهم تتحدد بترتيب ميلادهم، لا بقوة حجتهم.
وهكذا حين ينشب نزاع بين قطبين مؤثرين سواء داخل الاسرة او داخل المجتمع، يسود نموذج "التجنب" ويعني أن لا يتدخل أحد في ما يجري داخل الأسرة، وهو استجابة لقاعدة راسخة تقول "الصغير لا يعترض على الكبير، والتابع لا يناقش الآمر"، وهذا التجنب سلوك تكيّفي يحمي الفرد من عقوبات اجتماعية فورية، لكنه يرسّخ في العمق ثقافة العجز عن استيعاب الخلافات، حيث يتعلم الجميع أن المواجهة مكروهة، وأن الصمت هو الفضيلة الكبرى.
هذا الطفل الذي كبر على قاعدة "اسكت" و"لا تعترض"، لا يتحول بطبيعة الحال إلى مواطن فاعل حين يحمل بطاقة الناخب، وكل ما يحدث هو أن أنماط العلاقة التي تشكلت في البيت تنتقل معه إلى المدرسة ثم الى مركر العمل ثم الى الديوانية وانتهاءً بصندوق الاقتراع.
في علم الاجتماع يُسمى هذا "نقل البنية"، بحيث يميل الموظف الذي درب نفسه على طاعة الأب أو الأم من دون نقاش، إلى طاعة المدير أو المديرة من دون وعي. والنزاعات الاجتماعية التي تندلع بين طرفين لا تعالج عبر مؤسسات الحوار وانما تدار بنظرية الهروب، واتذكر انني عرضت على شخص (كبير في السن) نقاش مشكلة اجتماعية تخص أسرته القريبة، فكان جوابه القاطع " مالي شغل" ووضع رأسه في الأرض وهرب من الحوار.
في الغالب، فإن سلوك الأسرة المهيمنة هو المنتج لثقافة تخنق الجرأة وتكرس التبعية، وتصنع أفراداً يتقنون فن التجنب والهروب، ويؤمنون بأن هناك شخصيات لا تخضع للنقاش. وهذه الخصائص حين تنتقل إلى الفضاء العام، تشكل أخطر تحدٍ للبناء الوطني، لأن المواطن الفاعل لا يُصنع بدستور ولا بقوانين، بل يُصنع في البيت، حيث تُختبر لأول مرة مفاهيم العدالة والمساواة والمشاركة، ومن المؤسف أن غالبية بيوتنا اليوم لا تزال تعيش خارج دائرة الرأي والرأي الآخر.
نبض