آرتور رامبو والوصفُ التوليفي للوجود

منبر 08-09-2026 | 13:26

آرتور رامبو والوصفُ التوليفي للوجود

يعتمدُ أسلوبُ آرتور رامبو الذي خطَّ الشعرَ أسطورةً من الحكايا النائمة في حرش الأعراسِ المتواردة، على إيقاعاتٍ داخليّةٍ منظّمة، تنطقُ بخفايا الحنينِ المنهمرِ مثل شلاّلِ النور السماوي، وبورَعٍ داخلي يلحُّ عليه رغمَ جموحِه أحياناً إلى تعريةِ الطبيعةِ في سبيلِ تحقيقِ مآربِه النغميّةِ المنسجمةِ مع أوتارِ الكلماتِ التي تشدو بمنطقِ الفلسفةِ التجريديّة، والخياليّة الساطعةِ الأضواء.
آرتور رامبو والوصفُ التوليفي للوجود
آرتور رامبو
Smaller Bigger

كريم قاسم

 

 

 

يعتمدُ أسلوبُ آرتور رامبو الذي خطَّ الشعرَ أسطورةً من الحكايا النائمة في حرش الأعراسِ المتواردة، على إيقاعاتٍ داخليّةٍ منظّمة، تنطقُ بخفايا الحنينِ المنهمرِ مثل شلاّلِ النور السماوي، وبورَعٍ داخلي يلحُّ عليه رغمَ جموحِه أحياناً إلى تعريةِ الطبيعةِ في سبيلِ تحقيقِ مآربِه النغميّةِ المنسجمةِ مع أوتارِ الكلماتِ التي تشدو بمنطقِ الفلسفةِ التجريديّة، والخياليّة الساطعةِ الأضواء.
فمنذُ طفولتِه، مادَ به الشوقُ للتأمّلِ الرمزي في قوّةِ الطبيعةِ وتجلّياتِها، فرسمَ في مخيّلتِهِ الكلماتِ على شكلِ خطوطٍ متقاطعةٍ تتعرّجُ في محورِ الصوت، أي أنّها تنطقُ بالمعاني المزدوجة لكلّ سطرٍ شعري، في حيواتٍ وإشراقاتٍ متألّقةٍ، تشي بموهبةٍ فائقةٍ قادمة، وتتّخذُ اليوطوبيا البوحيّة شكلَ التعرّجاتِ التعبيريّةِ الصادقة.
ففي قصيدةِ "كان الموسمُ ربيعاً" التي كتبَها رامبو وقد كان تلميذاً في المرحلةِ السابقةِ للبكالوريا بسنتين وكان يبلغُ من العمرِ سنّ الرابعةِ عشرة ونالَ جائزةً أكاديميّةً عنها، قال :"كان الموسمُ ربيعاً، وأوربيليوس كان في روما/ من داءٍ أقعدَه عن الحِراك: عصا أستاذي القاسي هدأتْ/ لم يعدْ وقعُ الضرباتِ ليصمَّ أذني/ لا ولا الهراوة تعذّبُ بمتواصلِ الألمِ أعضائي/ فانتهزتُ الفرصةَ ويمّمتُ وجهي شطرَ الرّيفِ الضاحك/ ناسياً كلّ شيء، متحرّراً من الدرس، ومن الهمومِ خْلواً/ مُنعشاً فكريَ المجهدَ بمسرّاتٍ عذبة/ بفؤادي المترعِ بسرورٍ شائقٍ لا أدري ما هو/ نسيتُ المدرسةَ المُضجرةَ ودروسَ الأستاذ/ الخاليةَ من كلّ سحرٍ واستعذبتُ مشاهدَ الحقول/ واستعراضَ الخوارقِ الهانئةِ تُحدِثُها الأرضُ في الرّبيع/".
إنّه شدوٌ من حريرٍ منسوجٍ بحروفٍ متشابكةٍ بعنصرِ التوافق، كلٌّ منها يهمسُ بصدى مخفيّ يتأرجحُ بين الخيالِ المتسامي والواقعِ المصبوبِ في خندقٍ ضيّق، ولكنّه يخترقُه باحتمالاتٍ متنوّعةٍ بين الضحكِ والعبثِ والمسرّاتِ والنشوة، وكأنّه تحوّلَ إلى أبيقور فيلسوف اللذّة، حيث يصنّفُ الحواسَ في مربّعاتِ الهيامِ بالحواسِ المنتشية والتي تتقبّلُ مشاهدَ الكونِ الخلّابةِ بدهشةٍ واحتواء، فهو يسهمُ في التبسّطِ اللغوي ولكنّه يحشدُ للمغزى المتناسقِ والمتطابقِ بين ما يراه وما يرسمُه من الغناءِ الشعري الذي يتسربلُ بحيويّةٍ بين المياهِ الفائضةِ للسعادة وبين الجفاءِ المُرتسمِ على وجوهِ الواقع، ويجعلُ المقارنةَ خفيفةً وحرّةً ومنطلقة، لا تحدّها أيّ عراقيل أو تنميقات متصنّعة أو ترتيبات تبلغُ من السذاجةِ حدّ السخف، بل تركَ قلمَه على سجيّتِه يعْبُرُ الحدودَ الفاصلةِ بين العالمِ الذاتي والجوهريّةِ الكونيّة والتوليفةِ المتطابقةِ للسحرِ والعذوبةِ الداخليّة، هو يسْرحُ في الخارجِ ولكنّه يُسرِّحُ مخيّلتَه لتجوبَ عناصرَ التكوينِ اللغوي الابداعي السلس، فينجحُ في تلوينِ اللوحاتِ البصريّةِ التي تنبضُ في خاطرِه لينقلَها إلى السامعِ بروحٍ منعزلةٍ عن الضجيج.
ونرى في مرحلةِ فتوّتِه، تفتّحَ نضجهِ الشعري، ليتّخذَ تحوّلاً جذريّاً إلى الفلسفةِ الميثيولوجيّة المتراصّة بين الجمل، وفي قصيدتِه "إحساس" يظهرُ هذا الانقلابُ الانطولوجي المتثائب بين الوحيِ الملوّنِ والإلهامِ الندي، فيكتب: "في أمسياتِ الصيفِ الزرق، سأمضي عبر الدروب/ موخوزاً بالقمح، سأدوسُ على العشبِ الناعم/ حالِماً، سأحسُّ بنداوتِه على قدمَيّ/ سأدعُ الرّيحَ تغسلُ رأسي العاري/ لن أتكلّم، ولن أفكّرَ بأيّ شيء/ لكنّ الحبّ غير المتناهي  سيتصاعدُ في روحي/ وسأمضي بعيداً، بعيداً جدّاً، كمثلٍ بوهيميّ/ عبر الطبيعة-سعيداً كما لو مع امرأة".
هنا، يزدانُ غزلُه بالطبيعةِ منحى الارتواء، فهو يعلنُ عشقَه الروحيَّ لجسدِها المسجّى بين الأمسياتِ الحالمة، والتجرّدِ النفسي من كلّ انتماءٍ محدودن فقد أصبحَ ملكاً للريح وللمطلق، للمنتهى الارستقراطي في وصفِ الحبّ المغلّفِ بعباراتٍ مشبعةٍ بالشغف، دون انكماشٍ ذاتي، بل يسرحُ في انطلاقةٍ مريحة وغامضة ومنتشية.
وعندما شبَّ رامبو لاحقاً مع مفرداتِه، نراهُ يكتبُ في قصائدِه معاناةِ المجتمع، واحساسَه الدفينَ بالله وبوجودِه، فيقولُ في قصيدتِه "الفقراءُ في الكنيسة": "محشورين بين مصاطبِ السنديان، في أركانِ الكنيسة/  التي تدفأُ، بعفونةٍ، من أنفاسِهم/، عيونُهم كلُّها مصوّبة/  إلى محلّ الخورسِ الناضحِ ذهباً وإلى المرتّلين/  بأشداقِهم العشرين المتشدّقةِ بأناشيدَ ورعة/  مُستنشقين رائحةَ الشمعِ كمن يستنشقُ أريجَ الخُبز/  سُعداء، مُهانين مثل كلابٍ ضُرِبتْ/ يمدُّ فقراءُ الرّحمن، الرّاعي والسيّد، ضراعاتِهم الخرقاءَ العنيدة، عندما تدخلُ إلى الأركانِ التي تذوي فيها الشمس/ في طيّاتِ حريرٍ مُبتذلٍ وابتساماتٍ خضر/ سيّداتُ الحاراتِ المرموقةِ - آه يا يسوعُ- المريضاتُ الأكباد/ وبأصابعهنّ الصفراءِ الطويلةِ يلثمن الجُرنَ المقدّس".
يسكنُ رامبو في هذه القصيدةِ قلوبَ البؤساء، ويضطجعُ على وسادةِ الحزنِ الدفينِ التي يحتضنونها في نومِهم المتراخي، فالكنائسُ تأتي إليها السيّداتِ الموفراتِ الثراء، والعليلاتُ يتلمّسن دربَ الشفاءِ بين دروبِ اللهِ الواسعةِ في غفلةٍ من الوقتِ والزمانِ والمكان، فالشمعُ تمائمُ شبعٍ للفقير، والتنسّكُ مفتاحٌ لصفائِه الداخلي بعد هبوبِ العواصفِ الجامحة.
هكذا، يمضي رامبو في التوصيفِ الواقعي، يعكسُ الحقيقةَ في مرايا الورَع والتصويب، فهو بديوانِه الوحيد الذي ضمّ آثارَه الشعريةَ كاملةً، لم يكن مجازفاً أو مراوغاً أو واعظاً، بل تخطّى حدودَ الخيالِ لحدّ الاندماجِ بروحانيّةِ الكونِ وأسرارِه المتواترة، فيتكّلمُ عن الله والتصوّفِ والخلاعةِ والشحوبِ والأزهارِ البريّةِ والامبراطور والحريّةِ والفقرِ والبؤسِ الذي يولّده الثراء، ولكنّ الطبيعةَ هي العنصرُ المولّدُ لقناعتِه الوجوديّة، ويدوّنُ تصوّراتِه كلمحاتٍ بصريّةٍ خاطفةٍ تستقطبُ المنصتَ بروعتِها الناطقةِ بالجمالِ الحقيقي.
آرتور رامبو، شاعرٌ افترشَ الريحَ لساعدي الانسان، كي يغيثَه في سقوطِه، ويشخّصَ الانسانيّةَ في قمّةِ جنونِها وحالاتِها المتقلّبة، وقد نجحَ في السيطرةِ على ملكوتِ الشعرِ الانساني الوجودي، والطبيعي التعبيري، فولدت قصائدُه من تخومِ التلالِ المتناثرة في أعماقه، وأطبقت شهرته الآفاق، بسببِ حدسِه الثاقبِ وحسّه الابداعي، ومعرفتِه بطبيعةِ البشرِ وبضرورةِ إقصاءِ قلمِه عن الفوضى الخارجيّة، وتسخيرِه للتعبيرِ بدقّةٍ وحساسيّةٍ عن المشاعرِ والاختلاجاتِ الكبرى التي تفيضُ بها النفسُ البشريّة.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 9/5/2026 6:02:00 PM
قضت محكمة جنايات القاهرة بإعدام المنتجة الفنية سارة خليفة وعدد من المتهمين في قضية جلب المواد المخدرة وتصنيعها والاتجار بها، كما أصدرت أحكاماً بالسجن المؤبد وبرّأت متهمين آخرين.
دوليات 9/7/2026 6:30:00 AM
تتسع جبهات الضغط على آبي أحمد من أمهرة إلى تيغراي وأوروميا، فيما يثير تقارب خصوم الأمس مخاوف من أزمة أعمق قد تهدد استقرار إثيوبيا ووحدتها من جديد.
تركيا 9/6/2026 4:04:00 PM
لقي رجل تركي يبلغ 39 عاماً مصرعه في ألانيا بعدما قفز برأسه من رصيف فندق إلى مياه لم يتجاوز عمقها 50 سنتيمتراً، ليرتطم بقاع البحر ويصاب بكسر قاتل في الرقبة.
ظهر دونالد ترامب بشعر بدا أكثر قتامة وميلاً إلى البني خلال وصوله إلى نيوجيرسي، ما أثار موجة من التكهنات والتعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي.