بين الإدمان والعبقرية: الصراع الكيميائي للجيل الـ"بلاىستيشن" الذي يقود العالم
د. طلال الخزرجي
في لحظة، كانوا مدمنين ينقرون على أزرار التحكم بلا وعي، وفي اللحظة التالية، صاروا عباقرة يعيدون تشكيل خريطة الثروة والقوة. لكن السؤال الأعمق ليس كيف وصلوا، بل: أي وجه منهم سينتصر في النهاية، وأي صيدلية هرمونية ممنوعة سيفتحونها على البشرية بعد أن اختبروا مفعولها على أنفسهم؟
لم يكن ذلك الصندوق الرمادي الذي تسلل إلى غرف نومهم في مطلع التسعينيات مجرد لعبة، بل معملاً سرياً للكيمياء العصبية، أعاد تشكيل توازن أدمغتهم الناشئة. لكن المفارقة المحيرة أنهم لم يبقوا مجرد "فئران تجارب" في ذلك المختبر، بل كبروا ليصبحوا مديريه وحراس مفاتيحه. اليوم، وهم يتربعون على كراسي القيادة في شركات التكنولوجيا العملاقة، وغرف عمليات البورصات، ومختبرات الأبحاث، والوزارات والإدارات، لم يعودوا ينفذون أوامر الكيمياء القديمة فحسب، بل باشروا تحويل مؤسساتهم إلى معامل خاصة لإعادة إنتاج ذات الكيمياء المضطربة، وزودوها صيدليات محمّلة بالهرمونات الممنوعة، يوزعونها على الموظفين والعالم على حد سواء.
منذ نعومة أظفارهم، كان الدوبامين يُقصف في أدمغتهم كلما حققوا إنجازاً وهمياً، فأصبحت مستقبلاتهم كالمدمن الذي لا يشبع. وكبروا على يقين راسخ أن المكافأة يجب أن تأتي فورية وسريعة، وهذا ما جعلهم الآن، وهم في ذروة سلطتهم، غير قادرين على تحمل استراتيجيات تمتد عقوداً. لكنهم لم يكتفوا بمعاناتهم وحدهم، بل صمّموا آليات عمل شركاتهم كمعامل دوبامين تغذي فرقهم بجرعات آنية من المكافآت والترقيات الخاطفة، فتجهض بذلك المشاريع العميقة في مقابل أرباح ربع سنوية خيالية، لأن الدماغ الذي دربوه باللعب يصرخ فيهم طالباً جرعته العاجلة. غير أن هذه العلّة ذاتها منحتهم قدرة خارقة على التعلم من التجربة والخطأ؛ فكما كانوا يعيدون تحميل المرحلة الفاشلة خمسين مرة حتى يتقنوها، أصبحوا أكثر القادة جرأة في المغامرة. لكن هذه المرونة الأسطورية سرعان ما تتبخر تحت وطأة الغضب الهرموني حين يفشلون في الواقع، لأن إعادة تشغيل الحياة ليست كنقرات زر في لعبة، وما يُفسر تعثر شركاتهم أحياناً ليس سرعة تعافٍ، بل عمىً موقت عن حقيقة أن جيل الآباء لم يكن متلكئاً بقدر ما كان يدرك أن بعض الجروح لا يلتئم ببيانات، وبعض القرارات لا يسترجع بنقطة حفظ.
أما الكورتيزول، هرمون التوتر المزمن، فقد كان يفيض في شرايينهم خلال ساعات المواجهات التنافسية الطويلة، فأصاب القشرة الجبهية بضمور صامت، مسؤوليتهم عن ضبط الانفعالات، ولذلك تراهم اليوم ينفعلون كالمراهقين ويطلقون قرارات مصيرية مستعجلة قد تشعل الحروب، قبل أن يتنبهوا الى أنهم ليسوا في لعبة تعيد تشغيل الموتى. وهنا تكمن خطيئتهم العظمى: إذ حوّلوا هذه الصفة إلى صيدلية ممنوعة يمارسون بها ضغطاً مزمناً على موظفيهم، مطعمين إياهم بالتحديات المستحيلة والتهديدات المستمرة، متخذين من الكورتيزول أداة إدارة بالوكالة. ومع ذلك، فهذا الكورتيزول المتدفق هو ذاته الذي منحهم يقظة دائمة للأخطار؛ كجنود استطلاع، يكتشفون الثغرات الاقتصادية قبل وقوع الكوارث، ويتخذون قرارات احترازية بسرعة البرق أنقذت بورصات من الانهيار، وأجهضت هجمات سيبرانية كانت ستطيح بنىً تحتية حساسة.
ولم يتوقف الأمر عند هذين الهرمونين، فالأدرينالين الذي كان يضخ كالماء البارد في قلوبهم أثناء المطاردات الافتراضية جعل أجهزتهم العصبية الودية في حالة تأهب دائم، ولهذا يعيشون في قلق دائم ويصابون بالإرهاق المزمن. لكن هذا التأهب الأبدي يُترجم في جانبهم المشرق إلى طاقةٍ إنتاجية لا تنضب؛ فهم يعملون ستة عشر ساعة من دون كلل، ويضغطون على فرقهم لتحقيق المستحيل، متحدين نظرية الكسل البشري، ومطلقين العنان لثورات صناعية اختصرت عقوداً من التطور في سنوات. وفي معملهم الخاص، يضخون هذا الأدرينالين في شرايين مؤسساتهم عبر سباقات الابتكار المجنونة، ليجعلوا العالم أجمع يلهث خلف إيقاعهم المحموم.
والأغرب هو ارتفاع السيروتونين المرتبط بالهيمنة، الذي كان يتصاعد كلما سحقوا خصوماً عبر الإنترنت، وهذه المادة هي المسؤولة عن القسوة الباردة التي يلقون فيها عشرات آلاف الموظفين في شوارع البطالة بضغطة زر، معتبرين إياهم مجرد "خسائر جانبية". لكنها في المقابل، مصدر الثقة التي لا تهتز، التي تمكنهم من خوض سباق الفضاء الخاص، واختراع العملات الرقمية، وكسر احتكارات عمرها قرون، لأن جرعة السيروتونين لديهم لا تسمح لهم بقبول التبعية.
وهنا تبرز المفارقة الأكثر ظلاماً: هؤلاء الأطفال لم يكتفوا بأن يكونوا ضحايا كيمياء أدمغتهم، بل تحولوا إلى صيادلة العالم الجدد؛ افتتحوا صيدليات هرمونية ممنوعة باسم منصات التواصل الاجتماعي والخوارزميات الاستهلاكية، يعيدون فيها إنتاج إدمانهم القديم في عقول مليارات البشر. إنهم يوزعون الدوبامين في شكل إشعارات وتنبيهات، ويحقنون العالم بالكورتيزول عبر الأخبار المروعة والمقارنات الاجتماعية، ويزرعون السيروتونين الوهمي في قلوب المستخدمين عبر أزرار الإعجاب والمتابعات، وكأنهم يجرون تجربة كيميائية هائلة على الجنس البشري بأسره. يحولون الكوكب إلى مرمى للإدمان نفسه الذي نشأوا عليه، متناسين أنهم بهذا لا يصنعون عباقرة، بل يضاعفون عدد المعتقلين في زنازين الشاشات.
هذا الإرث المزدوج جعلهم يبنون عالمهم على أساس وهم إعادة الضبط، يغامرون بالأسواق وبحياة الشعوب كأنها تجربة فيديو، يضغطون على أزرار اللعبه الفاشلة واثقين بأنهم سيعودون بالزمن إلى نقطة الحفظ القديمة (Checkpoin)، لكنهم يصطدمون كل مرة بحقيقة أن القرار الخاطئ يترك جروحاً أبدية في المجتمعات، وندوباً في قلوب أبنائهم وأزواجهم الذين يعاملونهم بالبرودة الخوارزمية نفسها للبشر فى عالمهم الافتراضي. بيد أن هذا الجيل هو أيضاً أول جيل عالمي حقاً؛ إذ كوّن صداقات وصراعات افتراضية مع أقرانه من مختلف الأجناس والثقافات، مما جعل نظرته للعالم شمولية، وكسر لديه الحواجز العنصرية والجغرافية، فأصبحت قراراته تنظر إلى الكوكب وحدةً واحدة.
وبذلك يكون هذا الجيل الذي ظن أنه سينقذ العالم بذكائه الاستراتيجي، قد تحول إلى أعظم مفارقة إنسانية: فهو يحرك الاقتصاد كعصا تحكم، يرفع الأسعار ويخفضها كمن يضبط إعدادات الصعوبة، من دون أن يدرك أن الناس الحقيقية ليست مجرد مؤشرات على شاشة، بل أكباد تمشي على الأرض تتألم وتموت بسبب قراراته اللحظية. لكنه في لحظات صفائه، يستخدم الأدوات ذاتها لإنقاذ ملايين الأرواح عبر ابتكارات طبية ولوجستية لم يكن الحلم بها ممكناً.
وحين ننظر إلى الصورة الكاملة لهذه السيكولوجيا المشوهة والمعجزة في آنٍ واحد، نجدهم عادوا إلى مربع الصفر، لكن المربع هذه المرة أكبر: فها هم أولئك الأطفال الجالسون في غرفهم المظلمة، يتحولون اليوم إلى جالسين في مكاتبهم الفخمة، والفارق المرعب أن اللعبة لم تعد محصورة بالشاشة، بل أصبحت اللعبة هي البشرية جمعاء، ومعملهم الخاص لا يزال يعمل، وصيدليتهم الممنوعة توزع جرعاتها على العالم، غير عابئة بأن الجرعة الزائدة قد تقتل اللاعب قبل أن ينتهي من المستوى الأخير.
نبض