النفط والمواطن اللبناني
د. خلدون عبد الصمد
مع الارتفاع المتواصل في أسعار النفط عالمياً، تشهد جداول تركيب الأسعار الصادرة عن وزارة الطاقة والمياه في لبنان قفزات متتالية لأسعار البنزين والمازوت، ولم يعد الأمر مقتصراً على وقود السيارات؛ بل يمتد التأثير المباشر ليطال فاتورة المولدات الخاصة والتي باتت البديل الأساسي لمواجهة انقطاع كهرباء الدولة المستمر، ومع صعود أسعار المازوت، تلتهم فواتير المولدات الحصة الأكبر من مداخيل الأسر اللبنانية، ما يدفع قطاعاً واسعاً من المواطنين نحو العتمة القسرية أو العجز عن السداد فالنفط ليس مجرد وقود للمركبات والمولدات بل هو شريان الحياة لكافة القطاعات الإنتاجية.
ويؤكد الخبراء الاقتصاديون أن قفزة الأسعار الحالية تسببت في زيادة كلفة الإنتاج الصناعي والزراعي بنسب مرتفعة. فالشركات والمصانع باتت مجبرة على رفع أسعار منتجاتها لتعويض الفارق في التكاليف التشغيلية، وهذا الواقع "تضخماً مستورداً" ضاعف من مأساة الغلاء؛ حيث طالت الارتفاعات السلع الغذائية الأساسية والخضروات وحتى رغيف الخبز، نظراً لارتباط إنتاج الأفران والمطاحن بالمازوت والطاقة. أضف إلى ذلك ارتفاع كلفة الشحن البحري والتأمين نتيجة اضطرابات الملاحة، ما جعل كلفة وصول السلع المستوردة إلى السوق اللبناني وتوزيعها بين المناطق عبئاً إضافياً يتكبده المستهلك.
في ظل هذه الأزمة المركبة، يرى مراقبون أن آليات المواجهة الرسمية غائبة أو عاجزة. فالدولة اللبنانية، التي تعاني من شح حاد في النقد الأجنبي وأزمة سيولة ممتدة، غير قادرة على تقديم أي نوع من الدعم للمحروقات. وبدلاً من خفض الرسوم لمساندة المواطن، تزيد الضرائب والرسوم الجمركية لتغذية خزينة الدولة الخاوية، ما يضاعف العبء الملقى على عاتق المستهلك وتتزايد اليوم الدعوات الصادرة عن الهيئات الاقتصادية والبيئية بضرورة الإسراع في التحول نحو مصادر الطاقة البديلة والمستدامة، مثل الطاقة الشمسية، كخيار إنقاذي لتقليص الاعتماد على الفيول المستورد وحماية القطاعات الإنتاجية من تقلبات الأسواق العالمية وجعلها أكثر مرونة أمام الأزمات الجيوسياسية.
يبقى لبنان الضحية الأبرز لتقلبات أسواق النفط الدولية. فكل دولار يضاف إلى سعر برميل الخام عالمياً، يترجم فوراً خسارةً إضافية في القدرة الشرائية للمواطن اللبناني، وتعميقاً للركود الاقتصادي. إنها حلقة مفرغة من الغلاء المستمر، تفرض على البلاد التفكير الجدي والعملي في كسر هذا الارتباط العضوي والقاتل بالفيول المستورد قبل فوات الأوان.
نبض