منبر
07-09-2026 | 12:45
في الذكرى السنوية الأولى لرحيله - حسن الرفاعي… حين يصبح الرجل ذاكرةً للدولة
"وأحارُ من أيِّ الجوانبِ أرتقي
لأطالَ بعضَ شوامخِ البنيانِ
لا يُسألُ الريحانُ عن كبِّ الشذا
كبُّ الشذا بشمائلِ الريحانِ(*)
امين عام مجلس النواب الاستاذ عدنان ضاهر مع الراحل حسن الرفاعي
عدنان ضاهر - الأمين العام لمجلس النواب
"وأحارُ من أيِّ الجوانبِ أرتقي
لأطالَ بعضَ شوامخِ البنيانِ
لا يُسألُ الريحانُ عن كبِّ الشذا
كبُّ الشذا بشمائلِ الريحانِ(*)
تمرّ سنة على غياب الأخ والصديق حسن الرفاعي، ولا أشعر أن عاماً مضى على رحيله، لأن بعض الرجال يغادر المكان ولا يغادر الذاكرة، ويصمت صوته، لكن تبقى كلمته حاضرة كلما احتاج الوطن إلى كلمة حق.
عرفتُ معالي الوزير حسن الرفاعي إبنَ بعلبك قبل أن أعرفه رجلَ دولة، وجمعتنا تلك الأرض التي علّمت أبناءها أن الكرامة ليست موقفاً عابراً، بل سيرة حياة. ومن بعلبك حمل الرفاعي إلى بيروت صلابة المكان ووضوحه، ودخل الحياة العامة وفي وجدانه شيء من هيبة تلك المدينة واعتداد أهلها بأنفسهم.
كان ابن بعلبك، نعم، وكان شديد الاعتزاز بانتمائه إليها، لكن قلبه لم يعرف حدود المناطق. وكان للجنوب في وجدانه مكان خاص، يتابع أهله وهمومه، ويتألم لألمه، ويحمل قضاياه كما يحمل المرء قضية بيته وأهله. وكأن في شخصيته امتداداً بين بعلبك والجنوب، بين أرضين عرفتا معنى الصبر والكرامة والتضحية، فكان ابن مدينته بالولادة والانتماء، ولبنانياً في قلبه الذي اتّسع للجنوب ولكل لبنان.
ثم عرفته عن قرب، وعرفت فيه ما هو أبعد من السياسي والنائب والوزير والفقيه الدستوري. عرفت رجلاً كانت الدولة بالنسبة إليه فكرة أخلاقية قبل أن تكون مؤسسات، وكان الدستور عنده ميثاقاً لحماية الجمهورية، لا نصاً يُستدعى عند الحاجة ويُهمل عند اختلاف المصالح.
وعلى امتداد عملي في مجلس النواب، كنت أعود إليه في مسائل دستورية وتشريعية دقيقة، أسأله مباشرة حيناً، وأعود إلى آرائه ومواقفه واجتهاداته حيناً آخر. ولم تكن قيمة رأيه في علمه الواسع وحده، بل في استقلاله. كان يقول ما يراه دستورياً، لا ما يرغب الآخرون في سماعه، ولا ما تقتضيه موازين السياسة في لحظتها.
لكن علاقتي بحسن لم تكن علاقة نصوص ودساتير وحدها. ثمة لحظات تبقى بين الأصدقاء عصيّة على النسيان، لأنها تختصر في دقائق ما لا تستطيع سنوات طوال أن تقوله عن المودّة والوفاء.
قبل محاولة اغتياله في بعلبك بيومين فقط، كنت في منزله هناك. جلسنا كعادتنا، نتحدث في ذلك الأنس الذي تصنعه الصحبة حين تطول، وكان بين الحاضرين رجل لم أكن أعلم يومها أن صورته ستعود إليّ بعد ثمانٍ وأربعين ساعة محمّلةً بكل ذلك الوجع. كان هو نفسه الذي عُرف لاحقاً بأنه منفّذ محاولة الاغتيال. بدا وجوده، في ضوء ما حدث بعد ذلك، كأنه كان يستطلع المكان والرجل والحركة من حوله.
لم يكن في تلك اللحظة ما ينبئ بما تخبئه الأيام. كان حسن أمامي كما عرفته دائماً، مطمئناً في بيته، يستقبل من يدخل إليه بألفة ابن المدينة التي يعرف أهلها ويعرفونه. وغادرتُ منزله ولم يخطر في بالي أن الرجل الذي كان بيننا سيعود بعد يومين حاملاً الموت إلى المكان نفسه، وأن جلسة عادية بين أصدقاء ستتحول في الذاكرة إلى مشهد لا يمحوه الزمن.
وحين وقع الخبر، عادت إليّ تفاصيل ذلك اللقاء دفعة واحدة: الوجوه، والكلمات، والمجلس، والرجل الذي كان بيننا. وثمة لحظات لا يؤلم الإنسان فيها ما حدث وحده، بل يؤلمه أيضاً أنه كان قريباً إلى هذا الحد من الخطر من دون أن يراه، أن يكون الموت قد مرّ من أمام عينيه متخفياً في هيئة عابر، ثم عاد بعد يومين ليطرق باب صديق عزيز.
ثم وقعت محاولة الاغتيال.
ونُقل حسن الرفاعي للعلاج إلى مستشفى في سوريا. لم أستطع أن أكتفي بالسؤال عنه من بعيد، فذهبت إلى سوريا لأطمئن إليه بنفسي. لم تكن الطريق يومها مجرد مسافة بين بلدين، كانت مسافةً طويلة من القلق. كنت أذهب إلى صديق فارقته قبل أيام واقفاً في بيته، ولا أعرف كيف سأراه حين أدخل عليه هذه المرة.
دخلت غرفته في المستشفى، فرأيته مثخناً بما أصابه، لكن حسن الذي أعرفه كان لا يزال هناك: في العينين، وفي الكبرياء، وفي تلك القدرة العجيبة على أن ينتزع من الألم معنى يتجاوز الألم. وما إن رآني حتى سبقني إلى الكلام، كأنه هو الذي أراد أن يطمئنني، وقال لي بلهجته التي ما زالت ترنّ في أذني حتى اليوم:"»ألم أقل لك أن "جدّي الحسين"؟
توقفت أمام كلماته، ولم تكن تلك لحظةً تحتاج إلى كثير من الكلام.
كان يشير إلى ما كان يعتز به آل الرفاعي من انتسابهم إلى السادة من ذرية الإمام الحسين. لكنه، وهو يقولها على سرير المستشفى بعد أن نجا من الموت، منح العبارة معنىً أبعد من النسب. كأنما كان يستحضر الحسين رمزاً للصبر والثبات في وجه المحنة، ويقول لي، بطريقته التي أعرفها: أصابوا الجسد، أما الإرادة فلم يصيبوها.
وما زلت، كلما استعدت ذلك المشهد، أشعر أنني لا أذكر العبارة وحدها، بل أسمع صوته وهو يقولها. أرى سرير المستشفى، وأرى صديقي الذي جئت خائفاً عليه فإذا به يستقبلني بكبريائه، ويحاول، وهو الجريح، أن يخفف عن زائره وطأة الجرح.
ربما لهذا يبقى بعض الكلمات معنا إلى آخر العمر. ليس لفصاحتها، ولا لأنها قيلت في مناسبة كبرى، وإنما لأنها خرجت في لحظة كانت الحياة والموت فيها على مسافة نفس واحد.
لم أنسَ تلك العبارة، ولن أنسى المشهد. ففي أشدّ اللحظات قسوةً كان حسن هو حسن: حاضر الذهن، قوي الروح، وفيّاً لذاكرته وهويته، وقادراً على أن يستقبل صديقه بكلمة تختصر الألم والنجاة والكبرياء معاً.
ومرت الأعوام، لكن بعض المشاهد لا يمرّ معها. بقيت صورة ذلك اللقاء في المستشفى إلى جانب عشرات اللقاءات التي جمعتنا في أيام أكثر هدوءاً، وبقيت تذكّرني بأن معرفتي بحسن الرفاعي لم تكن معرفة رجل عام من بعيد، بل صحبة عمر عرفت فيها الرجل في مجلسه وبيته، وفي أيامه العادية كما في أقسى ساعات حياته.
كان حسن الرفاعي من أولئك الرجال الذين يصعب فصل شخصياتهم عن قناعاتهم. لم يكن يرتدي موقفاً ثم يخلعه عندما تتغير الظروف، فالحرية التي أحبها في السياسة عاشها في حياته، والاستقلال الذي دافع عنه في المؤسسات مارسه في رأيه، والديموقراطية التي آمن بها لم تكن عنده شعاراً، بل حقاً في أن تقول "لا" حين تصبح الـ"نعم" أسهل وأكثر منفعة.
اختلف مع كثيرين، وربما اختلف معه كثيرون، لكنه لم يجعل الخلاف خصومة، ولم يجعل السياسة سبباً للتخلي عن نفسه. وحين كانت النصوص تحتمل التأويل، كان يبحث عن روح الدستور، وحين كانت المصالح تضغط على النصوص، كان يعيد النقاش إلى حدود القانون، وحين كانت الاستثناءات تُبرَّر بالظروف، بقي متمسكاً بقاعدة اختصرت جانباً كبيراً من فلسفته في الحكم: الدستور لا يُعلَّق، حتى في أصعب الظروف.
ولذلك لم يكن لقب "حارس الجمهوريةط مجرد عنوان لكتاب يروي سيرته. كان وصفاً لرجل أمضى حياته يحرس معنى الجمهورية: سيادة القانون، وانتظام المؤسسات، والتوازن بين السلطات، وحرية الإنسان، وحق اللبناني في دولة لا تتغير قواعدها بتغير أصحاب النفوذ.
لقد عاصر حسن الرفاعي الجمهورية في أزمنتها الصعبة، من ازدهار الحياة البرلمانية إلى سنوات الحرب والانقسام، ومن أزمات النظام إلى التسويات الدستورية الكبرى. شهد الكثير، وشارك في الكثير، واعترض على الكثير، لكنه لم يسمح للأحداث، مهما اشتدت، بأن تنتزع منه حقه في التفكير الحر.
وكانت له في اتفاق الطائف مواقفه وتحفظاته التي عبّر عنها بجرأة، كما كانت له قراءته الخاصة للتوازن الدستوري بين المؤسسات. قد يُوافق المرء الرفاعي في اجتهاد، ويخالفه في آخر، لكن ما لا يستطيع أن ينكره هو أن الرجل لم يساوم على قناعته، ولم يحوّل معرفته بالدستور إلى أداة في خدمة ظرف سياسي أو صاحب سلطة.
واليوم، بعد سنة على رحيله، أستعيد تلك اللقاءات والحوارات والأسئلة التي كنت أحملها إليه، فأدرك أكثر قيمة وجود رجل تستطيع أن تسأله عن الدستور وأنت مطمئن إلى أن الجواب سيأتيك من ضميره قبل أن يأتيك من حساباته.
لقد فقدت بعلبك واحداً من أبنائها الكبار، وفقد مجلس النواب أحد رجالات زمنه البرلماني الكبير، وفقد القانون الدستوري اللبناني واحداً من حرّاس ذاكرته، وفقد الذين عرفوه مرجعاً وصديقاً رجلاً كان حضوره يمنح للكلمة وزنها وللموقف معناه.
لكن الرجال الذين يتركون وراءهم فكراً وموقفاً وسيرةً لا يغيبون تماماً. يبقون في المؤسسات التي دافعوا عنها، وفي النصوص التي فسّروها، وفي المواقف التي رفضوا التراجع عنها، وفي ذاكرة من عرفوهم وتعلموا منهم.
رحم الله حسن الرفاعي، ابن بعلبك، ورجل القانون، وشيخ البرلمانيين، وحارس الجمهورية.
وفي الذكرى الأولى لرحيله، لا أقول وداعاً لصديق ومرجع عزيز، بل أقول إن لبنان، كلما اشتد فيه الخلاف على الدستور، وكلما اختلطت حدود السلطة بحدود القانون، سيحتاج من جديد إلى ذلك الصوت الذي كان يذكّرنا، بهدوئه وصلابته، بأن الدول لا يحميها الرجال حين يكونون فوق الدستور، بل يحميها الرجال الذين يقفون إلى جانبه.
وتلك، في تقديري، هي أجمل سيرة يمكن أن يتركها رجل دولة لوطنه.
(*) ألقى هذه الأبيات الشاعر والأديب والمحامي اللبناني نجيب مصطفى جمال الدين (1924–2004)، المعروف بـ"الشاعر البعلبكي"، في الإمام السيد موسى الصدر. وقد وردت منسوبة إليه في مواد توثّق علاقته بالإمام الصدر.
"وأحارُ من أيِّ الجوانبِ أرتقي
لأطالَ بعضَ شوامخِ البنيانِ
لا يُسألُ الريحانُ عن كبِّ الشذا
كبُّ الشذا بشمائلِ الريحانِ(*)
تمرّ سنة على غياب الأخ والصديق حسن الرفاعي، ولا أشعر أن عاماً مضى على رحيله، لأن بعض الرجال يغادر المكان ولا يغادر الذاكرة، ويصمت صوته، لكن تبقى كلمته حاضرة كلما احتاج الوطن إلى كلمة حق.
عرفتُ معالي الوزير حسن الرفاعي إبنَ بعلبك قبل أن أعرفه رجلَ دولة، وجمعتنا تلك الأرض التي علّمت أبناءها أن الكرامة ليست موقفاً عابراً، بل سيرة حياة. ومن بعلبك حمل الرفاعي إلى بيروت صلابة المكان ووضوحه، ودخل الحياة العامة وفي وجدانه شيء من هيبة تلك المدينة واعتداد أهلها بأنفسهم.
كان ابن بعلبك، نعم، وكان شديد الاعتزاز بانتمائه إليها، لكن قلبه لم يعرف حدود المناطق. وكان للجنوب في وجدانه مكان خاص، يتابع أهله وهمومه، ويتألم لألمه، ويحمل قضاياه كما يحمل المرء قضية بيته وأهله. وكأن في شخصيته امتداداً بين بعلبك والجنوب، بين أرضين عرفتا معنى الصبر والكرامة والتضحية، فكان ابن مدينته بالولادة والانتماء، ولبنانياً في قلبه الذي اتّسع للجنوب ولكل لبنان.
ثم عرفته عن قرب، وعرفت فيه ما هو أبعد من السياسي والنائب والوزير والفقيه الدستوري. عرفت رجلاً كانت الدولة بالنسبة إليه فكرة أخلاقية قبل أن تكون مؤسسات، وكان الدستور عنده ميثاقاً لحماية الجمهورية، لا نصاً يُستدعى عند الحاجة ويُهمل عند اختلاف المصالح.
وعلى امتداد عملي في مجلس النواب، كنت أعود إليه في مسائل دستورية وتشريعية دقيقة، أسأله مباشرة حيناً، وأعود إلى آرائه ومواقفه واجتهاداته حيناً آخر. ولم تكن قيمة رأيه في علمه الواسع وحده، بل في استقلاله. كان يقول ما يراه دستورياً، لا ما يرغب الآخرون في سماعه، ولا ما تقتضيه موازين السياسة في لحظتها.
لكن علاقتي بحسن لم تكن علاقة نصوص ودساتير وحدها. ثمة لحظات تبقى بين الأصدقاء عصيّة على النسيان، لأنها تختصر في دقائق ما لا تستطيع سنوات طوال أن تقوله عن المودّة والوفاء.
قبل محاولة اغتياله في بعلبك بيومين فقط، كنت في منزله هناك. جلسنا كعادتنا، نتحدث في ذلك الأنس الذي تصنعه الصحبة حين تطول، وكان بين الحاضرين رجل لم أكن أعلم يومها أن صورته ستعود إليّ بعد ثمانٍ وأربعين ساعة محمّلةً بكل ذلك الوجع. كان هو نفسه الذي عُرف لاحقاً بأنه منفّذ محاولة الاغتيال. بدا وجوده، في ضوء ما حدث بعد ذلك، كأنه كان يستطلع المكان والرجل والحركة من حوله.
لم يكن في تلك اللحظة ما ينبئ بما تخبئه الأيام. كان حسن أمامي كما عرفته دائماً، مطمئناً في بيته، يستقبل من يدخل إليه بألفة ابن المدينة التي يعرف أهلها ويعرفونه. وغادرتُ منزله ولم يخطر في بالي أن الرجل الذي كان بيننا سيعود بعد يومين حاملاً الموت إلى المكان نفسه، وأن جلسة عادية بين أصدقاء ستتحول في الذاكرة إلى مشهد لا يمحوه الزمن.
وحين وقع الخبر، عادت إليّ تفاصيل ذلك اللقاء دفعة واحدة: الوجوه، والكلمات، والمجلس، والرجل الذي كان بيننا. وثمة لحظات لا يؤلم الإنسان فيها ما حدث وحده، بل يؤلمه أيضاً أنه كان قريباً إلى هذا الحد من الخطر من دون أن يراه، أن يكون الموت قد مرّ من أمام عينيه متخفياً في هيئة عابر، ثم عاد بعد يومين ليطرق باب صديق عزيز.
ثم وقعت محاولة الاغتيال.
ونُقل حسن الرفاعي للعلاج إلى مستشفى في سوريا. لم أستطع أن أكتفي بالسؤال عنه من بعيد، فذهبت إلى سوريا لأطمئن إليه بنفسي. لم تكن الطريق يومها مجرد مسافة بين بلدين، كانت مسافةً طويلة من القلق. كنت أذهب إلى صديق فارقته قبل أيام واقفاً في بيته، ولا أعرف كيف سأراه حين أدخل عليه هذه المرة.
دخلت غرفته في المستشفى، فرأيته مثخناً بما أصابه، لكن حسن الذي أعرفه كان لا يزال هناك: في العينين، وفي الكبرياء، وفي تلك القدرة العجيبة على أن ينتزع من الألم معنى يتجاوز الألم. وما إن رآني حتى سبقني إلى الكلام، كأنه هو الذي أراد أن يطمئنني، وقال لي بلهجته التي ما زالت ترنّ في أذني حتى اليوم:"»ألم أقل لك أن "جدّي الحسين"؟
توقفت أمام كلماته، ولم تكن تلك لحظةً تحتاج إلى كثير من الكلام.
كان يشير إلى ما كان يعتز به آل الرفاعي من انتسابهم إلى السادة من ذرية الإمام الحسين. لكنه، وهو يقولها على سرير المستشفى بعد أن نجا من الموت، منح العبارة معنىً أبعد من النسب. كأنما كان يستحضر الحسين رمزاً للصبر والثبات في وجه المحنة، ويقول لي، بطريقته التي أعرفها: أصابوا الجسد، أما الإرادة فلم يصيبوها.
وما زلت، كلما استعدت ذلك المشهد، أشعر أنني لا أذكر العبارة وحدها، بل أسمع صوته وهو يقولها. أرى سرير المستشفى، وأرى صديقي الذي جئت خائفاً عليه فإذا به يستقبلني بكبريائه، ويحاول، وهو الجريح، أن يخفف عن زائره وطأة الجرح.
ربما لهذا يبقى بعض الكلمات معنا إلى آخر العمر. ليس لفصاحتها، ولا لأنها قيلت في مناسبة كبرى، وإنما لأنها خرجت في لحظة كانت الحياة والموت فيها على مسافة نفس واحد.
لم أنسَ تلك العبارة، ولن أنسى المشهد. ففي أشدّ اللحظات قسوةً كان حسن هو حسن: حاضر الذهن، قوي الروح، وفيّاً لذاكرته وهويته، وقادراً على أن يستقبل صديقه بكلمة تختصر الألم والنجاة والكبرياء معاً.
ومرت الأعوام، لكن بعض المشاهد لا يمرّ معها. بقيت صورة ذلك اللقاء في المستشفى إلى جانب عشرات اللقاءات التي جمعتنا في أيام أكثر هدوءاً، وبقيت تذكّرني بأن معرفتي بحسن الرفاعي لم تكن معرفة رجل عام من بعيد، بل صحبة عمر عرفت فيها الرجل في مجلسه وبيته، وفي أيامه العادية كما في أقسى ساعات حياته.
كان حسن الرفاعي من أولئك الرجال الذين يصعب فصل شخصياتهم عن قناعاتهم. لم يكن يرتدي موقفاً ثم يخلعه عندما تتغير الظروف، فالحرية التي أحبها في السياسة عاشها في حياته، والاستقلال الذي دافع عنه في المؤسسات مارسه في رأيه، والديموقراطية التي آمن بها لم تكن عنده شعاراً، بل حقاً في أن تقول "لا" حين تصبح الـ"نعم" أسهل وأكثر منفعة.
اختلف مع كثيرين، وربما اختلف معه كثيرون، لكنه لم يجعل الخلاف خصومة، ولم يجعل السياسة سبباً للتخلي عن نفسه. وحين كانت النصوص تحتمل التأويل، كان يبحث عن روح الدستور، وحين كانت المصالح تضغط على النصوص، كان يعيد النقاش إلى حدود القانون، وحين كانت الاستثناءات تُبرَّر بالظروف، بقي متمسكاً بقاعدة اختصرت جانباً كبيراً من فلسفته في الحكم: الدستور لا يُعلَّق، حتى في أصعب الظروف.
ولذلك لم يكن لقب "حارس الجمهوريةط مجرد عنوان لكتاب يروي سيرته. كان وصفاً لرجل أمضى حياته يحرس معنى الجمهورية: سيادة القانون، وانتظام المؤسسات، والتوازن بين السلطات، وحرية الإنسان، وحق اللبناني في دولة لا تتغير قواعدها بتغير أصحاب النفوذ.
لقد عاصر حسن الرفاعي الجمهورية في أزمنتها الصعبة، من ازدهار الحياة البرلمانية إلى سنوات الحرب والانقسام، ومن أزمات النظام إلى التسويات الدستورية الكبرى. شهد الكثير، وشارك في الكثير، واعترض على الكثير، لكنه لم يسمح للأحداث، مهما اشتدت، بأن تنتزع منه حقه في التفكير الحر.
وكانت له في اتفاق الطائف مواقفه وتحفظاته التي عبّر عنها بجرأة، كما كانت له قراءته الخاصة للتوازن الدستوري بين المؤسسات. قد يُوافق المرء الرفاعي في اجتهاد، ويخالفه في آخر، لكن ما لا يستطيع أن ينكره هو أن الرجل لم يساوم على قناعته، ولم يحوّل معرفته بالدستور إلى أداة في خدمة ظرف سياسي أو صاحب سلطة.
واليوم، بعد سنة على رحيله، أستعيد تلك اللقاءات والحوارات والأسئلة التي كنت أحملها إليه، فأدرك أكثر قيمة وجود رجل تستطيع أن تسأله عن الدستور وأنت مطمئن إلى أن الجواب سيأتيك من ضميره قبل أن يأتيك من حساباته.
لقد فقدت بعلبك واحداً من أبنائها الكبار، وفقد مجلس النواب أحد رجالات زمنه البرلماني الكبير، وفقد القانون الدستوري اللبناني واحداً من حرّاس ذاكرته، وفقد الذين عرفوه مرجعاً وصديقاً رجلاً كان حضوره يمنح للكلمة وزنها وللموقف معناه.
لكن الرجال الذين يتركون وراءهم فكراً وموقفاً وسيرةً لا يغيبون تماماً. يبقون في المؤسسات التي دافعوا عنها، وفي النصوص التي فسّروها، وفي المواقف التي رفضوا التراجع عنها، وفي ذاكرة من عرفوهم وتعلموا منهم.
رحم الله حسن الرفاعي، ابن بعلبك، ورجل القانون، وشيخ البرلمانيين، وحارس الجمهورية.
وفي الذكرى الأولى لرحيله، لا أقول وداعاً لصديق ومرجع عزيز، بل أقول إن لبنان، كلما اشتد فيه الخلاف على الدستور، وكلما اختلطت حدود السلطة بحدود القانون، سيحتاج من جديد إلى ذلك الصوت الذي كان يذكّرنا، بهدوئه وصلابته، بأن الدول لا يحميها الرجال حين يكونون فوق الدستور، بل يحميها الرجال الذين يقفون إلى جانبه.
وتلك، في تقديري، هي أجمل سيرة يمكن أن يتركها رجل دولة لوطنه.
(*) ألقى هذه الأبيات الشاعر والأديب والمحامي اللبناني نجيب مصطفى جمال الدين (1924–2004)، المعروف بـ"الشاعر البعلبكي"، في الإمام السيد موسى الصدر. وقد وردت منسوبة إليه في مواد توثّق علاقته بالإمام الصدر.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
شمال إفريقيا
9/5/2026 6:02:00 PM
قضت محكمة جنايات القاهرة بإعدام المنتجة الفنية سارة خليفة وعدد من المتهمين في قضية جلب المواد المخدرة وتصنيعها والاتجار بها، كما أصدرت أحكاماً بالسجن المؤبد وبرّأت متهمين آخرين.
تركيا
9/6/2026 4:04:00 PM
لقي رجل تركي يبلغ 39 عاماً مصرعه في ألانيا بعدما قفز برأسه من رصيف فندق إلى مياه لم يتجاوز عمقها 50 سنتيمتراً، ليرتطم بقاع البحر ويصاب بكسر قاتل في الرقبة.
لبنان
9/5/2026 11:45:00 AM
متحفٌ للفنون حيث يزدان بشتى اللوحات الرائعة لنخبة من الفنانين الجنوبيين وغيرهم
لبنان
9/6/2026 1:25:00 PM
الغارات الإسرائيلية المتواصلة على بلدات الجنوب والنبطية تخلف ضحايا ودماراً واسعاً، وتزيد من معاناة الأهالي.
نبض