ميلاد الندّاف… دمُ شهيدٍ لا تمحوه شطبةُ قلم
لم تمحُ السنوات اسم العقيد المغوار ميلاد الندّاف من الذاكرة، ولن تمحوَه شطبةُ قلمٍ فتحت باب السجن أمام قاتله. فثمة دماء لا يجفّ أثرها في ذاكرة الوطن، وثمة رجال حين يسقطون وهم يؤدّون واجبهم لا يصبحون مجرد أسماء في سجلّ الشهداء، بل أمانةً في عنق الدولة التي ضحّوا من أجلها، وفي ضمير كل من يؤمن بأن الوطن لا يقوم إلا بالحق والعدالة.
واليوم، حين يُفتح باب السجن أمام من أراق دمه، يعود السؤال موجعاً: ماذا نقول لكل عسكري يضع دمه على كفّه، ويرتدي بزّته، ويخرج ليحمي وطناً ومؤسسات وشعباً، وهو لا يعلم إن كان سيعود إلى بيته أم لا؟ كيف نطلب منه أن يكون وفياً لدولته حتى الشهادة، إن لم تكن دولته وفيّةً لدمه بعد الشهادة؟ فالأوطان لا تُبنى بالنسيان، والدول لا تقوم في ظلّ التفلّت من يد العدالة والعقاب. والعدالة ليست ثأراً ولا انتقاماً؛ إنها حق الضحية، وهيبة الدولة، وطمأنينة كل إنسان يضع حياته في خدمة وطنه.
العقيد المغوار ميلاد الندّاف طاولته يد الغدر وهو يقوم بواجبه، محافظاً على لبنان، ومؤمناً بوطنه وبالمؤسسة العسكرية التي خدمها بشرف ووفاء. قُتل على يد أناس لم يعرفوا معنى الوطنية، ولا قيمة المؤسسة العسكرية، ولا حرمة دم من يحمل حياته على كفّه دفاعاً عن وطنه وأهله. وبعد سنوات طوال على مقتله، يخرج قاتله من السجن بعفو، وكأن مرور الزمن قادر على أن يمحو الجريمة، أو أن يجعل الدم الذي أُريق صفحةً يمكن طيّها ونسيانها.
لكن ماذا عن الذين لم يستطع الزمن أن يمنحهم عفواً من الوجع؟ ماذا نقول لوالدته الثكلى؟ تلك الأم التي حنت السنون ظهرها، ولم يحنِ الزمن وجعها؛ ما زالت تضمّ صورته بيديها، وتتلمّس ثيابه، وتشمّ فيها رائحة ابنٍ غاب جسده وبقي حاضراً في قلبها وفي تفاصيل بيتها. أيُّ عفو يستطيع أن يدخل قلب أمّ كهذه ويقول لها إن من قتل ابنها أصبح حراً؟ وماذا نقول لزوجته التي ترمّلت في عزّ صباها، وكان عليها أن تكمل الطريق حاملةً ذكرى زوج اختطف منها غدراً؟ وماذا نقول لأولاده الذين كبروا وتربّوا على صورته، يحملون اسمه وذكراه، ويبحثون في ملامحه في الصور عن أبٍ حُرموا حضوره وحنانه ومرافقته لهم في دروب الحياة؟ وماذا نقول لأشقائه الذين لم يفقدوا أخاً وحسب، بل فقدوا رفيق العمر وقطعةً من البيت والذاكرة؟ فالسنوات قد تعلّم الإنسان كيف يعيش مع الغياب، لكنها لا تعلّمه كيف ينسى.
وماذا نقول لهؤلاء جميعاً عندما يرون أن من حرمهم ابنهم وزوجهم وأباهم وأخاهم يستعيد حريته بشطبة قلم، فيما حُكم عليهم هم أن يحملوا غيابه مدى الحياة؟ العفو قد يفتح باب السجن، لكنه لا يمحو الجريمة ولا يمحو ذكرى الشهيد. وشطبةُ قلم قد تمحو ما تبقّى من سنوات العقوبة على الورق، لكنها لا تستطيع أن تشطب دماً أُريق، ولا عمراً سُرق، ولا ظهر أمّ حنته السنون وهي تحمل صورة ابنها، ولا ترمّل زوجة، ولا طفولة أبناء كبروا على صورة أبيهم، ولا وجع إخوة بقي غياب أخيهم حاضراً في حياتهم.
إن احترام الدولة يبدأ باحترام دماء من سقطوا من أجلها، واحترام المؤسسة العسكرية لا يكون بالكلمات والخطابات، بل بحماية كرامة رجالها أحياءً، وصون دمائهم وذكراهم شهداء. فالوطن الذي ينسى شهداءه، يخذل الأحياء الذين ما زالوا مستعدين لأن يضعوا دمهم على كفّهم من أجله.
ويبقى لنا، نحن المؤمنين، عزاء لا يستطيع ظلم البشر أن ينتزعه منا: إن قصّرت عدالة الأرض، فعدالة المسيح لا تخطئ، وإن استطاع عفوٌ بشري أن يُسقط عقوبة، فلن يستطيع أن يمحو حقاً أمام الله. وميلاد الندّاف، الذي بذل حياته وهو يقوم بواجبه، نرجو أن يكون قد نال إكليل الشهادة والفوز مع الأبرار والقديسين في ملكوت الله، حيث لا ظلم ولا غدر، وحيث العدالة التي لا تمحوها شطبة قلم.
رحم الله الشهيد العقيد المغوار ميلاد الندّاف، وليكن ذكره مؤبداً.
الأب اندره فرح
النائب القضائي
ورئيس محكمة ابرشية بيروت وجبيل
للروم الملكيين الكاثوليك
الأكثر قراءة
أثناء إيقاف زهر الدين على أحد الحواجز الأمنية وبعد كشف هويته، أقدم على سحب سلاحه وإطلاق النار على نفسه منتحراً خشية إلقاء القبض عليه، فيما تم إلقاء القبض على الشخص المرافق له في السيارة.
نبض