علي الطاهر: التلّة التي سقطت مرّتين

منبر 04-09-2026 | 21:00

علي الطاهر: التلّة التي سقطت مرّتين

السؤال الذي سيبقى بعد أن يهدأ كلّ شيء: هل كان الشهداء تحت الأرض يقاتلون من أجل لبنان
علي الطاهر: التلّة التي سقطت مرّتين
غارات على جنوب لبنان (أ ف ب)
Smaller Bigger

 المحامي رفيق اورى وليد غريزي

 

لم يكن كثيرون من أهل الجنوب يعرفون اسم علي الطاهر قبل أن تصير التلّة عنواناً يومياً في بيانات الجيش الإسرائيلي. ضريحٌ لرجل دين على قمّة ترتفع ستمئة متر، تطلّ على النبطية وإقليم التفاح ومجرى الليطاني، وتحتها، على ما يقول الإسرائيليون ولا ينفيه الحزب، مدينةٌ من الأنفاق: غرف عمليات ومستودعات ومولّدات ومطبخ ومرافق للعيش الطويل. أُنفق عليها المال الإيراني نحو عقدين. ثم جاء الثالث من أيلول فأعلن الجيش الإسرائيلي "السيطرة العملياتية" فوق الأرض وتحتها، وقال نتنياهو إن التلّة لم تعد تشكّل تهديداً. هكذا تُختصر عشرون سنة من العمل السرّي بجملة واحدة في بيان انتخابي.
السقوط الميداني معناه واضح ولا يحتاج إلى خبراء. علي الطاهر كانت المفصل الذي يربط الشريط الحدودي بإقليم التفاح، أي بالعمق اللوجستي الذي أُقيم عليه كلّ بناء "المقاومة" منذ التسعينيات. بسقوطها لم يخسر الحزب موقعاً، بل خسر الصلة بين خطّين: خطّ الحافّة الأمامية الذي تآكل بلدةً بلدة، وخطّ الدفاع الثاني في جبل الريحان الذي كان يُفترض ألّا يُختبر أصلاً. الجيش الإسرائيلي لن يقتحم الريحان غداً؛ سيفعل ما فعله في التلّة: حصار بطيء، قطع ماء وغذاء، تفجير أنفاق، وانتظار. الحصار هو الاستراتيجية، والاقتحام تفصيل في نهايتها. والحزب الذي بنى عقيدته على الأنفاق اكتشف أنّ النفق الذي يحميك من الطائرة هو نفسه الذي يجعلك أسير من يقف على بابه. تقارير عن مقاتلين ماتوا عطشاً تحت الأرض: هذا ليس حدثاً عسكرياً فحسب، بل صورة كاملة لفكرة ولدت لتحرّر الأرض فانتهت مدفونة فيها.

 

لكن الأخطر ممّا فوق الأرض وتحتها هو ما جرى بعيداً عنها. في منتصف آب حملت مسقط رسالة إيرانية إلى واشنطن: أيّ هجوم شامل على علي الطاهر سيقابله ردّ واسع. وأُرجئ الاقتحام أسابيع. ثم وقع الاقتحام، ولم يقع الردّ. وبين الرسالة والاقتحام، تتردّد في الكواليس معلومات مفادها أنّ طهران قبضت ثمن التلّة في العراق: تثبيتاً لموقع، أو صفقة نفوذ، أو ضماناً في ملف لا علاقة له بالنبطية. لا يملك أحد وثيقة بذلك، ولا يُطلب من المراقبين أن يقدّموا واحدة. لكنّ المنطق الذي حكم سلوك إيران منذ مذكّرة إسلام آباد في حزيران يكفي للحكم: الدولة التي أعلنت أنّ أيّ توسّع برّي في جنوب لبنان انتهاك للمذكّرة، ثم صمتت حين وقع التوسّع، إمّا أنّها عاجزة أو أنّها بادلت. وفي الحالتين، الحزب الذي قدّم رجاله في النفق كان الورقة لا اللاعب.

 

هنا بيت القصيد الذي يتهرّب منه الجميع: لم تكن التلّة يوماً لبنانية في وظيفتها. لبنانيةٌ في ترابها ومقبرتها، إيرانيةٌ في هندستها ومالها وقرار التمسّك بها أو التخلّي عنها. حين قال الحزب إنّه متمسّك بالمنطقة ومستعدّ لكلّ تقدّم، كان يتكلّم بلسانه؛ وحين حوصرت المنطقة وتُركت، كان القرار يُتّخذ بلغة أخرى في عاصمة أخرى. وهذه ليست خيانة بالمعنى الأخلاقي الذي يحبّه الخطاب الشعبوي، بل شيء أعمق وأقسى: هي طبيعة العلاقة بين مركز إمبراطوري وأطرافه. الأطراف تدفع الدم، والمركز يقبض الثمن. حدث ذلك مع الفصائل العراقية، ومع الحوثي، ومع سوريا الأسد التي دفعت كلّ شيء وقبضت لا شيء، ويحدث اليوم في النبطية. من يعتقد أنّ "وحدة الساحات" عقيدة، عليه أن يفسّر لماذا تُباع ساحة لمصلحة ساحة أخرى كلّما ضاقت الخيارات في طهران.

 

ماذا عن روما؟ الجولة الثامنة، المرجّح انعقادها في منتصف الشهر بقرار أميركي، ستجد نفسها أمام واقع جديد: لم يعد على الطاولة «توسيع المناطق التجريبية» على غرار زوطر، بل بات عليها جيش يحتلّ تلّة تشرف على النبطية ويعلن أنّه سيعيد الانتشار «دفاعياً» بعد استكمال المهمّة. وإعادة الانتشار الدفاعي هي اللغة نفسها التي مُهّد بها احتلال الشريط اثنين وعشرين عاماً. الوفد اللبناني أمام خيارين: إمّا أن يُدرج التلّة في صيغة الانسحاب المرحلي فتصبح ورقة إسرائيلية تُباع مقابل ثمن، أو أن يطالب بتسليمها فوراً إلى الجيش اللبناني بصفتها المنطقة النموذجية الثانية. الخيار الثاني هو الوحيد الذي يحوّل الهزيمة إلى فرصة، وإن كانت فرصة مُرّة. فلبنان لم يكسب التلّة بقواه، ولن يستعيدها إلّا بوصفه الدولة الوحيدة التي تستطيع واشنطن أن تضغط على إسرائيل لمصلحتها. تسليم التلّة للجيش يعني أنّ ما تحت الأرض يُفكَّك بأيدٍ لبنانية لا إسرائيلية، وأنّ ما فوقها يعود إلى ضريحه وحرشه وصمته.

 

لكن الصدق يقتضي القول إنّ هذا الخيار لا يُتاح إلّا إذا تخلّى الحزب عن روايته. فلا تستطيع الدولة أن تطالب بتلّة يقول الحزب إنّها لم تسقط، ولا أن تفكّك أنفاقاً يقول إنّها غير موجودة. الحزب اليوم أمام المرآة: إمّا الاعتراف بأنّ التلّة سقطت، وأنّ من وعد بحمايتها لم يحمها، وأنّ المكان الوحيد الذي يمكن أن تُستعاد فيه هو بين يدي الدولة؛ أو المضيّ في إنكار يجعل الجيش اللبناني عاجزاً عن المطالبة بما يُنكر الحزب خسارته.

 

في نهاية المطاف، لم تسقط علي الطاهر في النبطية وحدها. سقطت مرّتين: مرّة تحت جنازير الفرقة السادسة والثلاثين، ومرّة على طاولة بعيدة جرى فيها تقدير ثمنها بمقياس لا يعرف الليطاني. الأولى هزيمة عسكرية يمكن أن تُستدرك، والثانية هزيمة معنى لا يستدركها إلّا من يقرّر أنّ أرضه لا تُقايَض. الجنوبيون الذين لم يكونوا يعرفون اسم التلّة صاروا يعرفونه الآن.

 

 والسؤال الذي سيبقى بعد أن يهدأ كلّ شيء: هل كان الشهداء تحت الأرض يقاتلون من أجل لبنان، أم من أجل سعرٍ لا يعرفونه في مدينة لم يروها؟

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 9/2/2026 11:25:00 PM
كان سليمان من أكثر الشخصيات غموضا وحساسية داخل الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس السوري السابق.
المشرق-العربي 9/3/2026 10:43:00 PM

أثناء إيقاف زهر الدين على أحد الحواجز الأمنية وبعد كشف هويته، أقدم على سحب سلاحه وإطلاق النار على نفسه منتحراً خشية إلقاء القبض عليه، فيما تم إلقاء القبض على الشخص المرافق له في السيارة.


النهار تتحقق 9/3/2026 9:01:00 AM
التصريح منسوب إلى وزير المال العراقي. وتقصّت "النّهار" صحته.
النهار تتحقق 9/4/2026 10:36:00 AM
"إذا تمّت الموافقة على مذكرة التوقيف، فسترسل النيابة العامة الملف إلى الإنتربول ليتم تعميمه بالنشرة الحمراء"، جاء في الخبر المتداول.