خضر حمو الذي قهر السرطان و... غاب (2)
إبراهيم سمو ـ ألمانيا
خضر، أو "خدر"، الذي عاش أُبهة النصر ثلاثة عشر عاماً على سرطان البروستاتا، ابتُلي هذه المرة بنوع وحشي جديد من البلوى الرهيبة عينها، التي تطفّلت على رئته.
والرجل، والحق يقال، وازى في احتماله أيوب، وأبدى، في معرض تمسّكه بالحياة، جسارة تليق به وحده، وهو يواجه داءً متمرداً يُرهق عادة مبتليه بآلام لا تُحتمل، فضلاً عن رُهاب نفسي غليظ.
وكان "خدر" قد أُكره على التهجير إلى ألمانيا مع حلول نهاية عام 2015، بعد خضوعه، قبل ذلك بثلاثة أعوام، لعملية تحويل مجرى البول إلى خارج البطن، إثر استئصال البروستاتا والمثانة في دمشق.
والمفارقة الموجعة أنه مضى حتى نَفَسِه الأخير يجهل أن البلوى نفسها كانت قد عادت تحاصره، وتنهش هذه المرة رئته.
بدايات مجحفة وذات منافحة:
تلتمع بدايات الرجل مثل ومضة، وتحيل التفاصيل بلا مواربة إلى الطفل الذي فقد والدته في سن مبكرة، وحُرم من دفء الأمومة؛ فخاض معركة الحياة مثقلاً تارة بقهر وأخرى بأمل، قاداه إلى إدارة مسؤولياته الجسيمة منذ يفاعته، بخبرة وصبر وتحدٍّ مكنه من أن يشكل لنفسه حضوراً، بل خصوصية، طالما ميزته في وسطه الإنساني.
تباهى بالعمل، فامتهن، بالتوازي مع الزراعة، تجارة المواشي في الحسكة ورأس العين، وسوّق دوابه أحياناً، وأخرى خضرواته إلى حلب.
خالط سكان المدن، واكتسب "الذهنية التجارية" على أصولها، فعرف أهمية أن يكون للإنسان عقار أو بيت أو متجر في المدينة. وتمكن من ابتياع عقارات في مدينة الحسكة وقربها، ناهيك عن أراضٍ زراعية في أرياف الحسكة ورأس العين، ثم امتهن تجارة السيارات في معرض يملكه.
وآمن بالمغامرة بوصفها إحدى ملامح العقل التجاري.
وتسعفني الذاكرة ههنا بأحد مقربيه يداعبه:
ـ والله حيّرتنا؛ مرة نراك تاجراً مليئا، ومرة مثقلا بالديون.
سيرة وذكريات:
ويحضرني كيف كان يصطحبني خلال العطل المدرسية الصيفية إلى سوقي الهال والماشية في الحسكة، ليكافئني بكازوزة سينالكو وسندويشة فلافل، أو يجود إن أحرز ربحاً عليّ بحذاء صيفي أو دشداشة، ثم يصطحبني إلى دكان صديقه الأرمني العجوز، الذي خدم إبان الانتداب الفرنسي في طابان، "أبو جاك"، الذي كان يسعد، ما إن يراني، ويقبل عليّ:
ـ أنت ابن أخي.
ويكرمني كرمى لصديقه خدر بالسكاكر والحلوى.
ما أجمل طيفه وهو يمر بي، مدمنا على مفاكهات جاريه العتيقين "عَفْدو عايد" و"عَمَّر مِعْو". الموقف المتكرر، ما أبهاه: "خدر" يسرد، بملامح صارمة، طرفته، فيتراقص عَمَّر في جلوسه، يملأ الأرجاء ضحكا، يزهزق متقافزاً، بينما عَفْدو يسعل، وهو يعمر سيجارة ويسحب نفساً من الأخرى التي ما تزال بين شفتيه، ويعقب:
*حاحيّن!.
* لفظ للتعجب
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
أثناء إيقاف زهر الدين على أحد الحواجز الأمنية وبعد كشف هويته، أقدم على سحب سلاحه وإطلاق النار على نفسه منتحراً خشية إلقاء القبض عليه، فيما تم إلقاء القبض على الشخص المرافق له في السيارة.
نبض