واشنطن في مصيدة الاستنزاف الإقليمي

منبر 04-09-2026 | 10:22

واشنطن في مصيدة الاستنزاف الإقليمي



تتجلى في لحظات التحول الاستراتيجي الكبرى حقيقة العجز الذي يغلف اندفاعات القوى العظمى، حين يصطدم فائض قدراتها العسكرية بالحدود الصلبة للواقع الجيوسياسي.
واشنطن في مصيدة الاستنزاف الإقليمي
تعبيرية
Smaller Bigger

 أكرم بزي - كاتب وباحث سياسي

 

 

 

تتجلى في لحظات التحول الاستراتيجي الكبرى حقيقة العجز الذي يغلف اندفاعات القوى العظمى، حين يصطدم فائض قدراتها العسكرية بالحدود الصلبة للواقع الجيوسياسي. إن القصف الصاروخي الذي نفذته طهران مستهدفة القواعد الأميركية في الأردن، رداً على الاستهداف الأميركي لمواقع في جزيرة لارك عند مضيق هرمز، لم يكن مجرد حادثة تكتيكية في سجل التوتر الإقليمي، بل جاء ليشكل بياناً ميدانياً يفرض معادلة جديدة، ويثبت أن زمن فرض الردع الأحادي من جانب واشنطن قد انتهى إلى غير رجعة.
تَظهر القوة الأميركية اليوم محمولة على متناقضات بنيوية عميقة؛ إذ تخوض واشنطن مواجهاتها وهي محاصرة بين رغبة استعراض القدرة وعجزها عن تحمل التكلفة الجيوسياسية المترتبة على التصعيد الشامل. وفي هذا السياق، يقدم روبرت بيب في تحليلاته لمعادلات الإكراه العسكري تفسيراً دقيقاً لمعضلة القوة العظمى؛ إذ يؤكد أن التفوق الجوي والضربات الانتقائية تفشل استراتيجياً عندما تتعامل مع طرف يستند إلى استراتيجية المنع وإثقال كاهل المعتدي عبر تحمل التكلفة. يقع المعتدي هنا في فخ التصعيد، إذ تصبح زيادة النار عاجزة عن إرغام الخصم على التراجع، ولا تنتج سوى مضاعفة الأعباء السياسية والعسكرية على القوات المنتشرة في ساحة المكشوف.
ولا يمكن فصل هذا الاستعراض العسكري المأزوم عن الواقع الاقتصادي والهيكلي للنظام الأميركي. يرى ريتشارد وولف أن إصرار واشنطن على توظيف أسلحة الحصار والمغامرات العسكرية الخارجية ليس دليلاً على اقتدار إمبراطوري، بل هو من أعراض التراجع والضمور البنيوي. تتراجع القدرة على صوغ النظام العالمي وتوجيهه عبر الأدوات الديبلوماسية والاقتصادية الناعمة، لتستبدل بلغة القوة الخشنة والتخبط الميداني، مما يضاعف من أزمات الاقتصاد الأميركي المجهد، ويحمله أعباء مالية وسياسية تتجاوز قدرته على الاستمرار في إدارة الصراعات المفتوحة.
تتقاطع هذه القراءة مع طرح توماس فريدمان حول المعضلة الجيوسياسية التي تواجهها الإدارة الأميركية في الشرق الأوسط. لقد أضحت واشنطن عاجزة عن صوغ حماية مطلقة لحلفائها أو تأمين حركتها من دون إشعال المنطقة برمتها. إن كل خطوة تصعيدية تُتخذ للهروب إلى الأمام تنتهي بتعميق فجوة العجز، بحيث أصبحت أدوات السياسة الخارجية التقليدية عاجزة عن التعاطي مع شبكات الردع المعقدة المتمددة في الإقليم.
في حال قررت إدارة الرئيس دونالد ترامب المضي قدماً في خيار التصعيد، فإن المسارات المتوقعة للرد الإيراني لن تتوقف عند حدود المناورة العسكرية التقليدية، بل ستتجه نحو إدارة مواجهة استنزافية شاملة:
*توسيع دائرة الاستهداف المباشر: الانتقال من الرد المحدود إلى استهداف المفاصل اللوجستية ومراكز الإمداد القريبة والبعيدة للمصالح الأميركية في المنطقة، عبر توظيف الصواريخ البالستية ذات الدقة العالية والطائرات المسيرة، لشل القدرات التشغيلية وفرض معادلة التهديد الدائم على القواعد الإقليمية.
*فرض الحصار المتبادل في مضيق هرمز: تحويل هذا الشريان الملاحي الحيوي والجغرافيا المحيطة بجزيرتي لارك وقشم إلى منطقة مخاطر عالية، من خلال تفعيل حرب الألغام البحرية واعتماد تكتيكات الزوارق السريعة، مما يؤدي إلى تعطل حركة التأمين والنقل البحري ودفع أسعار الطاقة العالمية إلى مستويات غير مسبوقة.
*نقل الضغط إلى البنية التحتية للإقليم: مستغلة جغرافيتها ومواقع حلفائها، ستتجه طهران في حال استهداف منشآتها النفطية في جزيرة خارك إلى تعطيل المنشآت الحيوية ومحطات الطاقة والمياه التابعة للدول المستضيفة للقواعد الأميركية، لخلق ضغط سياسي إقليمي يحد من حرية الحركة الأميركية.
*تفعيل الحرب السيبرانية والصدمات الاقتصادية: شن هجمات إلكترونية واسعة تستهدف الشبكات المالية وأنظمة الملاحة والطاقة الحيوية، بالتوازي مع إحداث هزات سوقية في قطاع النفط لاستنزاف القوة المالية للخصم في توقيت متوتر.
تدرك طهران تماماً المخاطر المترتبة على الانزلاق إلى المواجهة الشاملة، لكنها تدير الصراع بقناعة راسخة مفادها أن رفع تكلفة أي مغامرة عسكرية أميركية إلى مستويات لا يمكن تحملها سيكشف مجدداً الحدود الفعلية للقوة الأميركية. إن واشنطن اليوم، وبينما تحاول تسويق صورة المقتدر، تجد نفسها محاصرة داخل معادلات ردع متداخلة؛ بحيث يبدو التصعيد خياراً محفوفاً بالإخفاق، والتراجع شهادة علنية على انكسار الهيمنة.

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 9/2/2026 11:25:00 PM
كان سليمان من أكثر الشخصيات غموضا وحساسية داخل الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس السوري السابق.
المشرق-العربي 9/3/2026 10:43:00 PM

أثناء إيقاف زهر الدين على أحد الحواجز الأمنية وبعد كشف هويته، أقدم على سحب سلاحه وإطلاق النار على نفسه منتحراً خشية إلقاء القبض عليه، فيما تم إلقاء القبض على الشخص المرافق له في السيارة.


النهار تتحقق 9/3/2026 9:01:00 AM
التصريح منسوب إلى وزير المال العراقي. وتقصّت "النّهار" صحته.
لبنان 9/3/2026 11:23:00 AM
تاريخياً، لم تستطع الحدود بين لبنان وسوريا وفلسطين فصل الدروز عن بعضهم. فقد توزعت الجماعة بين هذه المناطق وحافظت على روابط دينية واجتماعية وعائلية وسياسية عابرة للحدود. لذا فإن ما يصيب دروز سوريا أو فلسطين يجد صداه في لبنان.