تجريم الخطاب الطائفي خطوة أساسية لبناء السلم الأهلى في سوريا

منبر 03-09-2026 | 14:07

تجريم الخطاب الطائفي خطوة أساسية لبناء السلم الأهلى في سوريا

بعد سقوط نظام الأسد، تواجه سوريا تحديات العدالة الانتقالية وبناء السلم الأهلي لمواجهة الطائفية وتعزيز الحريات والتنوع الوطني.

تجريم الخطاب الطائفي خطوة أساسية لبناء السلم الأهلى في سوريا
سوريون يحتفلون بسقوط نظام الأسد في دمشق، 10 ديسمبر 2024. (فرانس برس)
Smaller Bigger

خالد حرب*

 

 

بعد سقوط نظام الأسد، دخلت سوريا مرحلة جديدة اتّسعت فيها مساحة الحريات العامة، وخصوصاً على وسائل التواصل الاجتماعي، بعدما عاش السوريون عقوداً طويلة تحت قيود أمنية وسياسية شديدة. غير أن هذه الحرية المستجدة أطلقت في الوقت نفسه مشاعر وغضباً متراكمين لدى شرائح واسعة من المجتمع، عانت طوال سنوات من القمع والاعتقال والقتل والتهجير وفقدان الممتلكات والأحبة.

وتزداد خطورة هذه المشاعر في ظل غياب مسار سريع وفعّال للمحاسبة، يشعر من خلاله الضحايا وعائلاتهم بأن العدالة بدأت تأخذ مجراها. فحين تتأخر العدالة، يبرز خطر أن يحلّ الانتقام الجماعي محل المحاسبة الفردية، وأن تنتقل المسؤولية من مرتكبي الجرائم أنفسهم إلى الطوائف أو المناطق أو الجماعات التي ينتمون إليها. وهنا تبدأ إحدى أخطر دوائر العنف في المجتمعات الخارجة من الحروب.

 

الإرث ثقيل... ولكن!

لقد استخدم النظام السابق الانقسامات الطائفية والمجتمعية على مدى عقود، وربط مؤسسات الدولة والأمن والسلطة بشبكة من الولاءات الضيقة، ما ترك وراءه إرثاً ثقيلاً من الشكوك والمخاوف المتبادلة. ومع غياب حياة حزبية وطنية وديمقراطية راسخة تستطيع امتصاص الغضب وتنظيم الخلافات داخل أطر سياسية، ارتفعت وتيرة الخطاب الطائفي في بعض الأوساط الشعبية، وصولاً إلى التحريض الصريح ضد مكونات سورية كاملة.

وجاءت أحداث الساحل، ثم التطورات الدامية في السويداء، لتزيد من حدة الانقسام الأفقي بين السوريين، وتعيد إلى الواجهة أسئلة الهوية والانتماء والخوف من المستقبل. ولم يعد بعض الخطاب المتداول مجرد سجال سياسي أو اختلاف في المواقف، بل تحول أحياناً إلى تعميمات جماعية ولغة إقصائية وتحريض مباشر، وهو أمر يهدد المجتمع السوري في صميمه.

صحيح أن الأشهر الماضية شهدت ظهور منتديات ومبادرات أهلية في دمشق وعدد من المحافظات تدعو إلى نبذ الطائفية، وترفض تحميل الجماعات مسؤولية جرائم الأفراد، إلا أن هذه المبادرات، على أهميتها، لم تنجح بعد في خفض منسوب الاحتقان إلى المستوى المطلوب. فالمشكلة أكبر من أن تعالجها بيانات حسن نية أو لقاءات نخبوية متفرقة.

 

نُصب السيف الدمشقي (أ ف ب)
نُصب السيف الدمشقي (أ ف ب)

 

المطلوب خطة وطنية عاجلة

من هنا، تحتاج سوريا إلى خطة وطنية عاجلة تعمل على محاور متوازية. في المقدمة، يجب وضع الملفات السياسية والأمنية المفتوحة على طريق الحل، وخصوصاً ملف السويداء، بالتوازي مع استكمال معالجة العلاقة بين دمشق و"قوات سوريا الديمقراطية"، وفتح ملف الساحل بجدية وشفافية. وليس المقصود هنا عقد تسويات مؤقتة بقدر ما هو إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمعات المحلية، وضمان ألا يشعر أي مكون سوري بأنه مستهدف أو مستبعد من مستقبل البلاد.

بالتوازي، تبرز الحاجة إلى تشريع واضح يجرّم التحريض على العنف والكراهية ضد أي مكون سوري، من دون أن يتحول هذا التشريع إلى أداة لتقييد حرية التعبير أو إسكات النقد السياسي. فالفرق كبير بين نقد حزب أو مسؤول أو جماعة سياسية، وبين الدعوة إلى الانتقام من أبناء طائفة أو منطقة بكاملها.

وتقع مسؤولية كبيرة كذلك على وزارات الإعلام والداخلية والأوقاف والهيئات الدينية والمدنية، ليس عبر الرقابة وحدها، بل من خلال بناء خطاب عام جديد يشرح للناس خطورة التعميم والكراهية، ويؤكد أن الجريمة مسؤولية مرتكبها، لا مسؤولية عائلته أو طائفته أو منطقته.

 

العدالة الانتقالية مدخل أساس

لكن السلم الأهلي لا يُبنى بالقوانين والخطابات وحدها. إنه يحتاج أولاً إلى عدالة انتقالية جدية تكشف الحقيقة وتحاسب المتورطين في الجرائم وفق القانون، وتعوض الضحايا قدر الإمكان. كما يحتاج إلى توزيع أكثر عدالة للموارد وفرص العمل والتنمية بين المناطق، وإلى مؤسسات دولة يشعر المواطن بأنها تمثله وتحميه بصرف النظر عن طائفته أو قوميته أو مذهبه. والأهم هو رفض منطق الاستئثار بالقرار. لا يمكن بناء سوريا جديدة بإقصاء أي مكون من المشاركة السياسية، كما لا يمكن معالجة إقصاء سابق بإقصاء معاكس.

سوريا جميلة بفسيفسائها الاجتماعية والثقافية والقومية والدينية. وما يبدو للبعض اليوم مصدر ضعف يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة إذا نشأت دولة مواطنة يتساوى أمامها الجميع. الحفاظ على هذا التنوع ليس ترفاً أخلاقياً، بل شرط لبقاء البلاد موحدة.

فالمعركة الأصعب بعد سقوط أي نظام ليست إسقاط الماضي فقط، بل منع الماضي من إعادة إنتاج نفسه بأسماء ووجوه جديدة. وفي سوريا، تبدأ هذه المعركة من قاعدة بسيطة: لا عدالة جماعية ولا إدانة جماعية، ولا وطن ينتصر فيه مكون على آخر. إما أن ينجو السوريون معاً، أو يخسروا معاً.

 

* مهندس وأكاديمي وناشط سوري

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 9/2/2026 12:14:00 PM
لم تتسلّم عناصر "الحرس الوطني" رواتبها لمدة 5 أشهر بسبب تراجع إرسال الأموال من إسرائيل. لكن المصدر يرصد عودة تقاضي العناصر للرواتب منذ بداية آب الماضي.
المشرق-العربي 9/2/2026 11:25:00 PM
كان سليمان من أكثر الشخصيات غموضا وحساسية داخل الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس السوري السابق.
لبنان 9/1/2026 10:41:00 AM
"هيئة البث الإسرائيلية": القيادة الأمنية العليا ناقشت أخيراً مسألة استمرار السيطرة على مرتفعات علي الطاهر أو تسليمها إلى الجيش اللبناني