الإعلام سلاح لا يرى...

منبر 03-09-2026 | 11:23

الإعلام سلاح لا يرى...

في زمن كانت فيه الحروب تعلن بصوت المدافع، كان من السهل أن نعرف أين تبدأ المعركة وأين تنتهي. أما اليوم، فقد تغير كلّ شيء، فقد تبدأ الحرب من شاشة، من صورة، من خبر عاجل، أو حتى من جملة واحدة ترمى في الفضاء الرقمي ثم تنتشر كالنار... الإعلام سلاح لا يرى.
الإعلام سلاح لا يرى...
تعبيرية
Smaller Bigger

د. مهى محمد مراد

 

 

في زمن كانت فيه الحروب تعلن بصوت المدافع، كان من السهل أن نعرف أين تبدأ المعركة وأين تنتهي. أما اليوم، فقد تغير كلّ شيء، فقد تبدأ الحرب من شاشة، من صورة، من خبر عاجل، أو حتى من جملة واحدة ترمى في الفضاء الرقمي ثم تنتشر كالنار... الإعلام سلاح لا يرى.
هو لا يحمل رصاصة، ولا يُصدر دوياً، لكنه يستطيع أن يغيّر رأياً، ويزرع خوفاً، ويصنع عدواً، أو يمنح قضية حياة جديدة.
نحن لا نرى العالم كاملاً، نراه من خلال ما يصل إلينا؛ وهذه حقيقة بسيطة، لكنها خطيرة؛ فمن يملك القدرة على اختيار ما نراه، وكيف نراه، ومتى نراه، يمتلك جزءاً من القدرة على التأثير في وعينا.
قد يكون الخبر صحيحاً، لكن عنوانه قد يدفعنا إلى فهم مختلف، وقد تكون الصورة حقيقية، لكن اقتطاعها من سياقها قد يحول معناها بالكامل. وأحياناً، لا يحتاج التضليل إلى كذبة واضحة؛ يكفي أن تُقال نصف الحقيقة ويُترك النصف الآخر في الظل.
والمشكلة اليوم أن الإعلام لم يعد ينتظرنا. نحن نحمله في جيوبنا؛ فكلّ صباح، تفتح هواتفنا أبواباً لا تنتهي من الأخبار والصور والتعليقات والفيديوهات، وما يلفت انتباهنا أكثر، غالباً ما يكون الأكثر إثارة للغضب أو الخوف أو الفضول.
ومع التكرار، تصبح بعض الأفكار مألوفة إلى درجة أننا نتوقف عن السؤال عنها؛ وهنا تبدأ الخطورة الحقيقية، إذ قد نصل إلى مرحلة لا نعود فيها نبحث عن الحقيقة، بل عمّا يؤكد الحقيقة التي نريد تصديقها. لكن الصورة الأخرى للإعلام موجودة أيضاً.
ثمة إعلام نزيه يستطيع أن يكشف فساداً، وأن يضع الظلم أمام الرأي العام، وأن يمنح إنساناً بسيطاً فرصة لأن يسمع صوته. وفي بلد مثل لبنان، حيث تتداخل السياسة بالإعلام وبالمجتمع، تبقى الكلمة المهنية والمسؤولة حاجة وليس ترفاً.
لذلك، لا ينبغي أن نخاف من الإعلام، بل أن نتعلم كيف نقرأه؛ أن نسأل: من نشر؟ لماذا الآن؟ ما المصدر؟ ماذا قيل، وماذا لم يقل؟ وهل ما أمامنا خبر أم رأي أم مجرد محاولة للتأثير؟ لم يعد التحقق ترفاً، ولم تعد القدرة على التمييز بين الحقيقة والدعاية مسؤولية الصحافي وحده؛ نحن أيضاً شركاء في هذه المسؤولية، لأن كل مشاركة نضغط عليها قد تجعل معلومة ما تصل إلى آلاف الأشخاص.
وربما تكمن أخطر قوة في الإعلام في أنه لا يجبرنا على شيء. إنه لا يقول لنا دائماً: صدّقوا، بل يكرر، ويعرض، ويقارن، ويختار، ويترك لنا في النهاية وهماً في أننا وصلنا إلى النتيجة بأنفسنا.
لهذا، قد تكون المعركة الحقيقية اليوم ليست على الأرض فقط، بل داخل الإنسان نفسه.
من يملك المعلومة يستطيع أن يؤثر
ومن يملك المنصة يستطيع أن يرفع صوتاً ويخفض آخر.
أما من يملك الوعي، فيستطيع أن يحمي نفسه.
إذن، الإعلام سلاح لا يرى، لكن آثاره ترى في مواقفنا، في مخاوفنا، في انقساماتنا، وفي الطريقة التي ننظر بها إلى الآخر.
ولهذا، فإن الدفاع عن الحقيقة لا يبدأ من الشاشة فقط، بل يبدأ من عقل لا يصدق كل ما يرى. 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 9/2/2026 12:14:00 PM
لم تتسلّم عناصر "الحرس الوطني" رواتبها لمدة 5 أشهر بسبب تراجع إرسال الأموال من إسرائيل. لكن المصدر يرصد عودة تقاضي العناصر للرواتب منذ بداية آب الماضي.
المشرق-العربي 9/2/2026 11:25:00 PM
كان سليمان من أكثر الشخصيات غموضا وحساسية داخل الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس السوري السابق.
النهار تتحقق 9/2/2026 9:02:00 AM
بدت النيران مشتعلة بقوة في أحد المواقع. هذه المشاهد "عاجلة الآن"، كتب مستخدمون.