«علي الطاهر»… المعركة التي قد تكشف مَن يملك لبنان؟
بسام صرّاف
ليست «علي الطاهر» مجرد نقطة على خريطة الجنوب، ولا مجرد تلة استراتيجية تتعرض للقصف.
فالمواجهة حولها قائمة، والضربات الإسرائيلية تتوالى، فيما تجاوزت القضية الحساب العسكري المباشر لتضع «علي الطاهر» في قلب المشهد السياسي والأمني في جنوب لبنان، حيث تتقاطع الوقائع الميدانية مع مسار تفاوضي لم يحسم بعد الملفات الأساسية.
لكن السؤال لم يعد: هل ستندلع معركة «علي الطاهر»؟
المعركة قائمة.
والسؤال الحقيقي هو: إلى أين ستصل؟ ومن يملك قرارها؟ ومن يملك قرار لبنان؟
من الميدان إلى طاولة التفاوض
بحسب ما أوردته تقارير عن جولة روما التي انعقدت بين 4 و6 آب/أغسطس، دخلت المحادثات الأميركية بين لبنان وإسرائيل مرحلة جديدة، في إطار مسار يتناول الانسحاب الإسرائيلي التدريجي، وانتشار الجيش اللبناني، والتعامل مع سلاح «حزب الله» وآليات التحقق، إضافة إلى ما عُرف بـ«المناطق التجريبية» أو Pilot Zones.
ومع استمرار التفاوض، تصبح كل نقطة ميدانية أكثر من تفصيل عسكري؛ لأنها قد تتحول إلى عنصر في معادلة الانسحاب والترتيبات الأمنية المقبلة.
ومن هنا تبرز أهمية «علي الطاهر»: فالمعركة عليها لا تُقرأ فقط من زاوية ما يحدث فوق الأرض، بل من زاوية ما يمكن أن تتركه هذه الوقائع على طاولة التفاوض.
لماذا «علي الطاهر»؟
بحسب تقارير ومصادر ميدانية، فإن «علي الطاهر» مجموعة من المرتفعات في محيط النبطية، وتتمتع بأهمية استراتيجية بسبب إشرافها على مناطق واسعة من الجنوب.
وقد تحدثت تقارير عن تركيز العمليات الإسرائيلية في المنطقة، كما أوردت مصادر روايات عن تحصينات ومنشآت تحت الأرض مرتبطة بـ«حزب الله». غير أن تفاصيل هذه الروايات لا يمكن التحقق بصورة مستقلة من جميع جوانبها.
لكن القيمة العسكرية للموقع لا ترتبط بمساحته، بل بموقعه وقدرته على الإشراف والرصد والتحكم بالنيران، ما يمنحه أهمية تتجاوز حجمه الجغرافي.
وتقول إسرائيل إن أهداف عملياتها ترتبط بالبنية العسكرية لـ«حزب الله» ومنع إعادة بناء قدراته في الجنوب. في المقابل، يتمسك لبنان بضرورة الانسحاب الإسرائيلي واستعادة الدولة سلطتها على كامل أراضيها.
وهكذا تتحول «علي الطاهر» من موقع عسكري إلى عقدة سياسية محتملة.
التلة قد تصبح ورقة تفاوض
إذا نجحت إسرائيل في تثبيت واقع عسكري حول «علي الطاهر»، فلن تكون المكاسب محصورة في السيطرة على موقع مرتفع أو تعزيز القدرة على الرصد، بل قد تتحول هذه الوقائع نفسها إلى ورقة تفاوضية.
ولا يمكن الجزم بأن هذا هو الهدف الإسرائيلي النهائي، لكن الوقائع التي تُفرض على الأرض تدخل في حسابات الأطراف عندما تجلس إلى طاولة التفاوض.
فما يبدأ كعملية عسكرية قد يتحول إلى معادلة سياسية:
وجود عسكري مقابل ضمانات.
انسحاب مقابل ترتيبات.
مكاسب ميدانية مقابل شروط تفاوضية.
وهنا يجب أن يكون الموقف اللبناني واضحاً:
لا يجوز أن تتحول أرض لبنانية إلى ثمن تدفعه الدولة لاستعادة سيادتها عليها.
السؤال الصحيح ليس: ماذا سيدفع لبنان مقابل الانسحاب؟
بل:
ماذا ستدفع إسرائيل مقابل احترام سيادة لبنان؟
إسرائيل لا تريد التلة فقط… بل المعادلة التي قد تنتجها
قد يكون الهدف الإسرائيلي أوسع من السيطرة على نقطة جغرافية. فإذا فُرض واقع أمني جديد في «علي الطاهر» ومحيطها، فقد تزداد قدرة إسرائيل على مراقبة المنطقة والتعامل مع أي بنية عسكرية تعتبرها تهديداً.
لكن الأهم هو ما بعد ذلك.
فالمعركة ليست فقط على الأرض، بل على قواعد اللعبة بعد الحرب.
هل يعود الجنوب كاملاً إلى الدولة اللبنانية والجيش اللبناني؟ هل تُفرض ترتيبات أمنية جديدة؟ وهل يصبح الانسحاب الإسرائيلي مرتبطاً بشروط تتجاوز الموقع نفسه؟
هنا تكمن قيمة «علي الطاهر»: تلة محدودة المساحة، لكنها قد تحمل ثمناً سياسياً يتجاوز جغرافيتها، لأنها تتقاطع عندها ثلاثة ملفات: أمن إسرائيل، وشروط التفاوض، ومستقبل السيادة اللبنانية.
«علي الطاهر» والانتخابات الإسرائيلية
وهنا يدخل عامل سياسي لا يمكن تجاهله: الانتخابات الإسرائيلية المقبلة.
ووفق الموعد القانوني، من المقرر أن تُجرى انتخابات الكنيست السادسة والعشرون في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026. وكانت قد طُرحت في حزيران/يونيو محاولة لتبكير الانتخابات عبر مشروع قانون لحل الكنيست الخامسة والعشرين، أُقر بالقراءة الأولى، لكن ذلك لم يتحول إلى موعد انتخابي نهائي بديل.
وهذا يجعل المرحلة المقبلة شديدة الحساسية سياسياً في إسرائيل، من دون أن يعني ذلك أن العمليات في جنوب لبنان مرتبطة بالضرورة بالاستحقاق الانتخابي.
ولا يعني ذلك أن «علي الطاهر» ستكون معركة انتخابية بحد ذاتها. هذا استنتاج لا يمكن إثباته.
لكن في زمن الحرب، يمكن لأي مكسب عسكري أن يتحول إلى رصيد سياسي إذا استطاعت الحكومة تقديمه للناخب باعتباره دليلاً على القوة أو الردع أو تحسين الوضع الأمني.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً:
هل يمكن أن تتحول «علي الطاهر» إلى إنجاز سياسي لبنيامين نتنياهو؟
ليس باعتبار ذلك حقيقة محسومة، بل باعتباره احتمالاً سياسياً يستحق القراءة.
فإذا حققت الحكومة الإسرائيلية مكسباً عسكرياً، فقد تحاول تقديمه باعتباره جزءاً من واقع أمني جديد في الشمال ودليلاً على إضعاف قدرات «حزب الله».
لكن الإنجاز العسكري لا يتحول تلقائياً إلى انتصار سياسي. فإذا طال القتال وارتفعت الكلفة، فقد تصبح «علي الطاهر» من رمز للقوة إلى رمز للاستنزاف.
لا للاحتلال… ولا لسلاح خارج الدولة
الموقف اللبناني السيادي يجب أن يكون واضحاً:
لا للاحتلال الإسرائيلي.
وفي الوقت نفسه:
لا لسلاح خارج سلطة الدولة.
فالاحتلال لا يمنح أي طرف شيكاً مفتوحاً لامتلاك قرار الحرب والسلم، كما أن سلاح «حزب الله» لا يمنح إسرائيل حق احتلال الأرض اللبنانية.
لا يجوز أن يتحول الاحتلال إلى تبرير دائم لبقاء السلاح خارج الدولة، ولا أن يتحول السلاح خارج الدولة إلى مبرر دائم للاحتلال.
الدولة اللبنانية يجب أن تكون الطرف الذي ينهي هذه المعادلة.
والجيش اللبناني ليس تفصيلاً فيها.
الجيش هو عنوان السيادة.
حين يكتب الميدان شروط السياسة
كل يوم يمر من دون تسوية واضحة يرفع قيمة الميدان.
فحين تتعطل الدبلوماسية، تبدأ الوقائع العسكرية بفرض نفسها. وما يجري فوق التلة اليوم قد يصبح جزءاً من شروط التفاوض غداً.
ولهذا يجب ألا تسمح أي تسوية مقبلة بتحويل الوقائع العسكرية المؤقتة إلى حدود سياسية دائمة.
فالاحتلال المؤقت لا يصبح شرعياً لأنه طال، والواقع الميداني لا يتحول إلى حق سياسي لمجرد أن المفاوضات تأخرت.
المعركة على «علي الطاهر» ليست فقط معركة على الأرض، بل معركة على من يكتب شروط ما بعد الحرب.
من «علي الطاهر» إلى سؤال الدولة
هنا تتجاوز القضية حدود التلة.
مَن يملك القرار في لبنان؟
إذا استطاعت إسرائيل فرض واقع جديد بالقوة، تتلقى السيادة اللبنانية ضربة. وإذا بقيت مناطق لبنانية مرتبطة بقرار عسكري خارج مؤسسات الدولة، تتلقى السيادة ضربة أخرى.
ولهذا يحتاج لبنان إلى معادلة مختلفة:
أرض لبنانية محررة.
جيش لبناني قوي.
دولة لبنانية واحدة.
وقرار لبناني واحد.
فإذا كانت الدولة عاجزة عن أن تكون صاحبة القرار على أرضها، تصبح السيادة مفهوماً ناقصاً.
ليس مَن يسيطر على التلة فقط، بل مَن يقرر ماذا يحدث بعدها.
مَن يملك لبنان؟
الحرب قد تتوقف، وقد تنجح الوساطات، وقد تتغير الحسابات.
لكن السؤال سيبقى:
مَن يملك لبنان؟
هل هو اللبنانيون من خلال دولتهم ومؤسساتهم؟
أم أن لبنان سيبقى ساحة تتقاطع فيها مشاريع إقليمية، وقرارات عسكرية، واحتلالات، ووساطات دولية؟
هنا لا تعود «علي الطاهر» مجرد تلة.
تصبح اختباراً للدولة، وللسيادة، ولمن يملك القرار.
فإذا تحولت من موقع عسكري إلى ورقة تفاوضية، ثم إلى مكسب سياسي محتمل في إسرائيل، فعلى لبنان أن يثبت أن سيادته ليست ورقة بيد أحد.
لا يجوز أن يكون لبنان ثمناً لحسابات نتنياهو الانتخابية.
ولا يجوز أن يكون ساحةً لمشاريع الآخرين.
ولا يجوز أن يبقى قرار الحرب والسلم خارج الدولة.
لأن لبنان لا يستطيع أن يكون وطناً له أرض بلا قرار، وجيش بلا حصرية، ودولة بلا سلطة كاملة.
"إما أن يكون لبنان دولةً تملك أرضها وقرارها وسلاحها الشرعي…
أو يبقى ساحةً يملك الآخرون قرارها".
وهنا، تحديداً، تبدأ المعركة الحقيقية.
نبض