ما أسقطه الخريف…
لم يكن من أولئك الرجال الذين تستطيع المرأة أن تضع لهم إسماً واضحاً، ثم تمضي.
ناريمان الناشف
لطالما كان رجلاً خطراً، مفعماً بالوعورة…
لم يكن من أولئك الرجال الذين تستطيع المرأة أن تضع لهم إسماً واضحاً، ثم تمضي.
كان يشبه طريقاً جبلياً في آخر الليل؛
كان صعباً، معتِماً، متعِباً، لم يكن يعرف إن كان سيقود إلى النجاة أم إلى هاوية لا قاع لها
كان في صوته شيءٌ لا يطمئن،
وفي صمته أشياء أكثر مما ينبغي لرجلٍ أن يخفيها.
لم يكن جميلاً بالطريقة التي تغري النساء،
بل كان أخطر من ذلك.
كان يترك في الروح أثراً وندوباً غريقة.
لم يكن يعرف كيف يحبّ بهدوء.
كان يحب كما لو أن الحب معركة،
يقترب بعنف، يتراجع بعناد،
ثم يعود كأنه لم يغادر يوماً.
وفي المرة الاخيرة… كان شيئاً آخر.
كان قادراً على أن يجعلني أكرهه في الصباح،
وأشتاق إليه قبل أن يحلّ المساء.
وكان هذا أسوأ ما فيه.
أنه لم يكن يملك قلبي فقط،
بل يملك القدرة على إرباكه.
كنت أعرف أنه ليس رجلاً يُؤتمن عليه،
ومع ذلك كنت أضع أمامه أضعف أجزاء روحي
ثم أتعجب حين كنت أعود منها مكسورة.
لم يكن شريراً تماماً.
وهذا تحديداً ما جعله أخطر.
فالشرير يمكن الهرب منه دون تأنيب،
أما الرجل الذي يحمل في داخله شيئاً طيباً مدفوناً تحت طبقات القسوة،
فإنك تقضين عمرك وأنت تحاولين الوصول إليه.
كنت أظن أنني سأكون المرأة التي تنقذه.
ثم اكتشفت متأخرةً
أن بعض الرجال لا يحتاجون امرأة تنقذهم،
بل يحتاجون شجاعةً ليواجهوا أنفسهم.
وهو لم يكن شجاعاً بما يكفي.
أما أنا...
فكنت غبيةً بما يكفي لأظن أن الحب يستطيع أن يفعل كل شيء.
لكنه لم يستطع.
فالحب لا يجعل الرجل الذي اعتاد الهرب
أن يعرف كيف يبقى.
ربما أنا أيضاً تغيّرت.
ولم أعد تلك المرأة التي تظن أن التشبث بقلب رجلٍ صعب… انتصار.
أصبحت أعرف أن القلوب متاهات.
وأذكى ما يمكن أن تفعله المرأة بالمتاهة...
أن تتوقف عن محاولة الوصول إلى آخرها.
بكل عنفوان كسرني.
ثم جعلني أعتذر لأنني انكسرت.
كان بارعاً في تحويل الجريمة إلى سوء تفاهم،
كان ينتظر عيوني ليتأكد أنه لا يزال يسكن في نظراتها
ثم ينظر إليّ بكل برود
كأنني المرأة الوحيدة في العالم التي لا تفهم.
لكني كنت أفهم كل شي
فقط كنت أحتاج وقتاً أطول لأصدّق أن الرجل الذي أحببته
كان قادراً على إيذائي بهذا القدر.
لم يكن يؤذيني لأنه يكرهني.
وهذه كانت الطعنة الأشد.
كان يؤذيني وهو يعرف أنه يحبني.
كان يعرف مواضع خوفي،
ويعرف الأشياء التي تجعلني أرتجف،
ويعرف أي كلمة تستطيع أن تهدم ليلةً كاملة من الطمأنينة...
ثم كان يستخدمها… بهدوء.
كأن الألم الذي صنعه بيديه كان عيباً في جلدي…
وفي النهاية، لن اكرهه يوماً بل سأظل أفرح لفرحه وأحزن لحزنه…
لأني أعرف أنه يحمل في داخله ما يكفي من الضوء لأبرّر عتمته،
وما يكفي من الحنان لأظل في عروقه...
نبض