العودة على سُلّم من نار
د. نازك بدير *
على الرغم من استمرار الحرب، وخطورة الوضع الأمني، ولا سيّما في المناطق الأماميّة في جنوب لبنان، أعلنت المدارس العودة، وهي تغصّ بأسماء متعلّمين استشهدوا، وآخرين فقدوا منازل، وأزقّة، وحواكير، وملاعب، و"أشياءهم الصغرى"، وخسروا أحبّة، وأهلاً، وأصدقاء. في ذاكرتهم صور أشلاء أقرانهم، وأساتذتهم، ومديرتهم، وفي قلوبهم أنين سحيق، وفي عيونهم رماد قرى مُسِحَت، وظلال دفلى الخردلي.
العودة إلى المدرسة نفسها، أو إلى مبنى في مكان آخر، لا تعني القدرة على مباشرة العمليّة التعليميّة. قبل ذلك كلّه، ثمّة "ثالوث" مركزي (المتعلّم، المعلّم، الأهل) يستدعي تحصين وجوده، والاعتراف بحقوقه، وبما يتعرّض له من أخطار، وبما سُلِب منه، إذ لن ينهض "المكان" بوظيفته بمعزل عن الحقّ في الوجود الآمن، والاعتراف الصريح بالدفاع عن النفس، ومقاومة مختلف أشكال الاعتداء الممنهج حضاريّاً، وثقافيّاً، وتاريخيّاً، ووجوديّاً، وبيئيّاً.
بين الضرورة والواقع
لعلّ من أبرز وجوه العودة الآمنة استعادة هذا "الثالوث" الحقّ في العيش، والحياة، والاستمرار، والبقاء. وأن تكون الدولة - السلطة إلى جانبه (الثالوث)، لا من وراء المكاتب، بل على الأرض، تشاركه يوميّاته الحقيقيّة، بعيداً من الكاميرات. في هذه المرحلة، قد يكون من الضروري أن يعود المتعلّم إلى الصفّ، ليحتكّ مع أصدقاء ومعلّمين قادرين على فَهْمه، وليعبّر عن نفسه، فتكون البيئة المدرسيّة ملاذاً يفعّل طاقاته، ويجّدد ما انطفأ فيه بفعْل أهوال الحرب، والدمار، والخسائر، حيث يجترح المعلّم وسائل لمساعدته على تفريغ الشحنات الشعوريّة الثاوية في أعماقه، مع العِلم أنّ الموت يحاصره، ويطبِق عليه، فلا قرارات دوليّة تمنع العدوّ من الاعتداء على المدنيّين (غارات حربيّة، قصف مدفعي، مسيّرات، اعتقال، تهجير، حرْق، تجريف، تدمير). يمكن أن يتحقّق ذلك بوجود المعلّم الموجِّه - الإنسان، الحقيقي، المؤمن بالعطاء، والحقّ، والخير، على الرغم من الفوضى المحيطة به. وهو مؤهّل للاضطلاع بهذه المهمّة إذا كان على درجة من الوعي بما يعيشه هذا المتعلّم، يفهم معاناته، وما اختبره، وما حُفِر في نفسه، وغيّر تطلّعاته، فيتمثّل المشاهد المختزَنة في ذهنه، ويتوقّع ردود أفعاله، أو عزوفه عن التعبير بوصفه مرآة للقصور عن تحرير الأرض، والخذلان في الداخل والخارج.
أن تمدّ روحك إلى المتعلّم
في خضمّ هذه المعركة الوجوديّة، لا حاجةَ إلى شعارات "لايف كوتشينغ"، بل إلى الصدْق في مقاربة الواقع، ومواجهة الحقائق، والاستمرار في تفريغ الصدمات، والتشجيع للتعبير عن الهواجس.
العودة تعني أن ترمّم هذه الجراحات، أن تمدّ روحك إلى المتعلّم، تطمئنه، فيشعر أنّه في المكان الصحيح، ليسترجع شيئاً ممّا فقده؛ الشعور بالحياة، والإيمان بوجودها على الرغم من معالم الموت، وسياسة الأرض المحروقة التي يعمل العدوّ على تكريسها شمال حدود الليطاني، وصولاً إلى محيط مدينة النبطيّة وضواحيها.
*أكاديميّة وباحثة لبنانيّة
نبض