بين لبنان والهند... عبر ودروس

منبر 31-08-2026 | 13:50

بين لبنان والهند... عبر ودروس

عندما نالت الهند استقلالها من الاستعمار البريطاني عام 1947، حلم المهاتما غاندي بوطن واحد يتسع لجميع أبنائه، مهما اختلفت أديانهم وانتماءاتهم. وبذل جهداً كبيراً لإقناع القادة المسلمين بالحفاظ على وحدة البلاد، مؤمناً بأن المواطنة هي الضمانة الحقيقية للحرية والكرامة والعيش المشترك.

بين لبنان والهند... عبر ودروس
تعبيرية
Smaller Bigger

 مفيد خطار

 

 

 عندما نالت الهند استقلالها من الاستعمار البريطاني عام 1947، حلم المهاتما غاندي بوطن واحد يتسع لجميع أبنائه، مهما اختلفت أديانهم وانتماءاتهم. وبذل جهداً كبيراً لإقناع القادة المسلمين بالحفاظ على وحدة البلاد، مؤمناً بأن المواطنة هي الضمانة الحقيقية للحرية والكرامة والعيش المشترك.

 

لكن معظم قادة الرابطة الإسلامية، بقيادة محمد علي جناح، رأوا أن حماية المسلمين وتأمين مستقبلهم يقتضيان قيام دولة مستقلة، فانتهى الأمر إلى تقسيم شبه القارة الهندية إلى الهند وباكستان، ثم أصبحت باكستان الشرقية دولة بنغلادش المستقلة عام 1971. وهكذا خاب حلم غاندي بقيام وطن واحد يحتضن جميع أبنائه.

 

ومع أن الهند حققت إنجازات كبيرة في الاقتصاد والعلم والتكنولوجيا، فإن التقسيم لم ينتج سلاماً دائماً مع باكستان؛ فما زال التوتر بين البلدين قائماً حول كشمير، وما زالت المنطقة تعيش في ظل شبح المواجهة. لقد أثبت التاريخ أن تقسيم الأوطان قد يغير الحدود، لكنه لا يقتلع جذور الخوف، ولا يصنع بالضرورة سلاماً دائماً.

 

وليس الهدف من استعادة هذه التجربة القول إن لبنان هو الهند، أو إن التاريخ يعيد نفسه بحذافيره، بل إن بعض دروس التاريخ لا تشيخ. فعندما تتقدم الولاءات الخاصة على الولاء للوطن، وتضعف الدولة أمام المشاريع المتنافسة، يصبح الجميع أكثر عرضة لتدخلات الخارج، ويضيق هامش القرار الوطني. وقد يرحل الاحتلال بجيشه، لكن النفوذ قد يعود بأدوات أخرى، أكثر خفاء وأشد تأثيراً وأطول عمراً.

 

ويقف لبنان اليوم أمام هذا الامتحان: فإمّا أن يلتقي جميع أبنائه حول دولة المواطنة، التي تحتكر وحدها السيادة وقرار الحرب والسلم، وتحفظ الحقوق بالتساوي لجميع اللبنانيين، وإما أن يبقى أسير الانقسامات، حيث يخسر الجميع، مهما اعتقد كل فريق أنه يحمي نفسه أو يؤمن مستقبله.

 

فالسلام لا يقوم إلا على الانسجام الوطني، ولا يستقر إلا حين تلتقي جميع الجماعات في دولة واحدة عادلة، تجمعها وتحمي حقوقها بالتساوي؛ فمستقبل الجماعات في اتحادها، لا في تباعدها، وبقاؤها في تكاملها، لا في انغلاقها. وإذا تفرقت وتنازعتها الولاءات، فتحت الأبواب أمام قوى الصراع والنفوذ لتتسلل إلى ما بينها، فتزرع الخوف والشك والعداوة، ولا توفر أحداً من آثارها.

 

فكلّ جماعة تظن أن خلاصها يكون بمعزل عن الآخرين، تكتشف، عاجلاً أم آجلاً، أن مصيرها مرتبط بمصير الوطن كله. فلا أحد ينجو وحده، ولا جماعة تستطيع أن تزدهر فيما وطنها يضعف. وما يحمي الجميع ليس توازن الخوف، ولا تعدد مراكز القوة، بل وحدة الدولة، وعدالة القانون، وثقافة اللقاء.

 

ولعلّ لبنان، وهو يمر بواحدة من أدق مراحل تاريخه، أحوج ما يكون إلى مراجعة شجاعة، تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وتعيد الجميع إلى حضن الدولة؛ لأنها وحدها البيت الذي يتسع لجميع أبنائه، ويحفظ كرامتهم وحريتهم ومستقبلهم.

 

وما أصدق الكلمة التي قالها السيد المسيح: «كل مملكة منقسمة على ذاتها تخرب، وكل مدينة أو بيت منقسم على ذاته لا يثبت.» (متى 12: 25). فإذا كانت هذه الحكمة تصدق على البيت الصغير، فهي أصدق ما تكون على الأوطان. فالوطن لا يبنى بالغلبة، بل بالشراكة؛ ولا يحيا بالانقسام، بل بالوحدة. وكلما اقترب أبناؤه من بعضهم، ابتعدت عنهم ظلمة الشر، واقترب منهم نور السلام.

 

إن التاريخ لا يكتب نفسه ليقرأ فقط، بل لينير الطريق أمام الشعوب. والسؤال الذي يواجه لبنان اليوم ليس: ماذا فعل الآخرون؟ بل: ماذا نتعلم نحن من تجاربهم؟ فالعاقل لا ينتظر حتى يعيش المأساة بنفسه، بل يقرأها في تاريخ الأمم، ويجعل من عبرها منارة تهديه إلى مستقبل أكثر وحدة وسلاماً.

 

ولعل أعظم درس يمكن أن نتعلمه هو أن الوطن لا تحميه الجماعات حين تتسلح كل واحدة منها خوفاً من الأخرى، بل تحميه دولة قوية وعادلة، يكون قرار الحرب والسلم فيها واحداً، والسلاح فيها واحداً، والقانون فيها واحداً، والحقوق فيها متساوية بين جميع أبنائها.

 

يا رب، بشفاعة قديسي لبنان، وكل من آمن بالوطن بيتاً لجميع أبنائه، أقم بيننا رجال دولة وحكماء سلام، يعيدون إلى الدولة هيبتها، وإلى القانون سلطته، وإلى اللبنانيين ثقتهم بوطنهم، ويقودوننا إلى عبور هذا البحر، كما قدت شعبك قديماً إلى أرض الرجاء.

 

 


العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/29/2026 8:48:00 PM
عاد صانع المحتوى معتذراً للطيار والشعب السوري في مقطع فيديو آخر، مؤكداً أن الموقف كان عفوياً وأنه لم يقصد الإساءة.
المشرق-العربي 8/30/2026 6:52:00 PM
تمت مداهمة مكان اختبائه في مدينة صافيتا بريف طرطوس.‏
آراء 8/30/2026 1:13:00 PM
ماذا يحدث عندما تنشأ قطيعة خطيرة وغير قابلة للإصلاح بين البطريرك وسينودس أساقفة الكنيسة البطريركية، ويرفض البطريرك، رغم طلب السينودس، تقديم استقالته؟
العالم 8/29/2026 4:03:00 AM
تُوّج روكيدي الرابع ملكاً في 12 أيلول/سبتمبر 1995، وهو في الثالثة من عمره، عقب وفاة والده روكيراباسايجا باتريك ديفيد ماثيو كابويو أوليمي الثالث.