مصر والقوى العظمى: استراتيجية التوازن من محمد علي إلى الصراع الأميركي-الصيني

منبر 31-08-2026 | 10:36

مصر والقوى العظمى: استراتيجية التوازن من محمد علي إلى الصراع الأميركي-الصيني

تُعدّ ظاهرة استغلال الصراعات بين الدول الكبرى لتعزيز القوة المصرية سمةً ثابتة في السياسة المصرية الحديثة، تمتد من عهد محمد علي باشا (1805-1848) مروراً بجمال عبد الناصر (1956-1970) وصولاً إلى العصر الحالي. هذا المقال المعتمد على الوقائع التاريخية و التحليل السياسي يستعرض كيفية توظيف القادة المصريين للصراعات الدولية، مع مقارنات دولية ويناقش المؤشرات الحالية لاستغلال الصراع الأميركي-الصيني في العقد القادم.
مصر والقوى العظمى: استراتيجية التوازن من محمد علي إلى الصراع الأميركي-الصيني
علم مصر (أرشيفية)
Smaller Bigger

د. طلال الخزرجي - طبيب وكاتب

 

 

تُعدّ ظاهرة استغلال الصراعات بين الدول الكبرى لتعزيز القوة المصرية سمةً ثابتة في السياسة المصرية الحديثة، تمتد من عهد محمد علي باشا (1805-1848) مروراً بجمال عبد الناصر (1956-1970) وصولاً إلى العصر الحالي. هذا المقال المعتمد على الوقائع التاريخية و التحليل السياسي يستعرض كيفية توظيف القادة المصريين للصراعات الدولية، مع مقارنات دولية ويناقش المؤشرات الحالية لاستغلال الصراع الأميركي-الصيني في العقد القادم. 
جاء صعود محمد علي باشا في أعقاب الحملة الفرنسية على مصر (1798-1801) التي مثلت بداية الصراع المفتوح بين بريطانيا وفرنسا على النفوذ في الشرق الأوسط. استغل محمد علي حالة الفراغ السياسي، وتمكن من تأسيس حكمه والياً على مصر عام 1805. كان الدافع النفسي حاسماً هنا: محمد علي، وهو رجل من أصول ألبانية فقيرة، كان يدرك أن بقاءه في السلطة مرهون بقدرته على بناء كيان لا يمكن السلطان العثماني أو الأوروبيين تجاوزه بسهولة. شرع محمد علي في برنامج طموح لتحديث مصر، مستفيداً من التنافس الأوروبي. أنشأ جيشاً حديثاً قوامه 200 ألف جندي، وبلغت نفقاته العسكرية نحو 80% من ميزانية الدولة، مما أجبر الفلاحين على الخدمة تحت التهديد بالجلد. أدخل نظام الري الدائم وزرع المحاصيل النقدية كالقطن للتصدير، وأقام مصانع حربية وصناعات نسيجية. كما أسس بيروقراطية حديثة وأصدر جريدة رسمية (الوقائع المصرية). لعب على التنافس بين بريطانيا وفرنسا بمهارة: عرض على بريطانيا تزويدها القمح خلال حصار نابليون في مقابل دعم استقلاله، واستقدم الخبراء العسكريين الفرنسيين لتحديث جيشه. انتهز الفرصة لتوسيع نفوذه، فغزا السودان (1820-1822)، والحجاز (1811)، ثم الشام (1831) متحدياً السلطان العثماني وصولاً إلى الأناضول. لكن عندما أوشكت قواته على الإطاحة بالدولة العثمانية عام 1839-1841، تدخلت القوى الأوروبية الكبرى (بريطانيا، روسيا، النمسا، بروسيا) وأجبرته على الانسحاب من الشام، معترفة بحكم أسرته لمصر في مقابل تقليص جيشه إلى 18 ألف جندي وتطبيق اتفاق التجارة الحرة مع بريطانيا عام 1838.

 الدرس المستفاد من هذه المرحلة أن استغلال الصراع الدولي له سقف، وعندما تتوحد الإرادة الأوروبية، تنكسر طموحات القوى الإقليمية. لم تكن تجربة محمد علي فريدة؛ ففي أميركا اللاتينية، استغل سيمون بوليفار التنافس بين بريطانيا وإسبانيا لتحرير مستعمراتها، لكن بوليفار اعتمد على الدعم البريطاني المباشر بينما فضل محمد علي البقاء في المنطقة الرمادية بين القوتين، مما أطال عمر مشروعه لكنه جعله أكثر عرضة للردع الجماعي. بعد ثورة 1952، وجد جمال عبد الناصر نفسه في قلب الصراع بين المعسكرين الشرقي (السوفياتي) والغربي (الأميركي). ورث دولة يعتمد جيشها على التسليح البريطاني، واقتصاداً مرتبطاً بالغرب. كان الدافع النفسي مختلفاً: ناصر، الذي نشأ متأثراً بمذابح فلسطين 1948، كان يرى في التسلح القومي السبيل لاستعادة الكرامة العربية، وهو ما جعله أكثر جرأة لكنه قاده إلى المغامرة في اليمن وحرب 1967. اتبع ناصر سياسة الموازنة بين القطبين: بعد رفض أميركا تسليحه، أبرم صفقة تشيكوسلوفاكيا (1955) للحصول على أسلحة سوفياتية بقيمة 200 مليون دولار. في يوليو 1956، أعلن تأميم قناة السويس متحدياً بريطانيا وفرنسا. عندما هاجمت الدول الثلاث مصر في أكتوبر 1956، هدد السوفيات بالتدخل وضغطت أميركا لسحب القوات، فخرج ناصر منتصراً سياسياً. بعد رفض أميركا تمويل السد العالي، لجأ إلى السوفيات الذين قدموا التمويل والخبراء، ووقّع معهم معاهدة صداقة عام 1964، لكنه رفض الانضمام الى حلف وارسو وأبقى على استقلالية قراره. دفع ناصر ثمن استغلاله للصراع الدولي في حرب 1967، عندما دمّر الطيران الإسرائيلي القوات الجوية المصرية في أيام. كشفت الوثائق لاحقاً أن موسكو حثّت ناصر على التصعيد لكنها لم تكن مستعدة لدعمه عسكرياً. مع ذلك، انخرط ناصر في سباق تسليح جديد وشن حرب الاستنزاف (1969-1970). من إنجازاته: تأميم القناة، بناء السد العالي، وإرساء مبدأ عدم الانحياز. لكن هزيمة 1967 أثبتت أن للقوة المصرية سقفاً، وأن الاعتماد المفرط على طرف دولي واحد يجعل الدولة عرضة للتخلي عنها. تشابهت استراتيجية ناصر مع استراتيجية تيتو في يوغوسلافيا، الذي وازن بين المعسكرين بعد قطيعته مع ستالين. لكن تيتو كان أكثر حذراً، فقبل المساعدات الأميركية من دون قطع علاقاته بالسوفيات، وبنى مؤسسات اتحادية قوية صمدت بعده، بينما اعتمد ناصر على الكاريزما الشخصية. يكشف التحليل المقارن بين تجربتي محمد علي وناصر عن تشابه استراتيجي مع اختلافات في الدوافع والأدوات. ففي كلا الحالتين، كان الدافع تعزيز القوة الوطنية والاستقلال، لكن محمد علي كان يخشى العزل بينما كان ناصر يدفعه الشعور بالعار الجماعي. اعتمد محمد علي على الجيش والصناعة، بينما اعتمد ناصر على الأيديولوجية والإعلام. نجح محمد علي في تأسيس أسرة حاكمة، ونجح ناصر في ترسيخ صورة مصر قائدةً للعرب، لكن كلاهما واجها ردعاً جماعياً عندما تخطيا الحدود. 
والخلاصة أن القيادة الفردية كانت المحرك الأساسي، مع غياب دور المؤسسات، مما جعل المكاسب مرتبطة بشخص القائد. في ظل تصاعد التوتر بين أميركا والصين، وعودة روسيا كلاعب فاعل، بدأت مصر باستغلال الصراع الجديد بأسلوب براغماتي اقتصادي. انضمت الى مبادرة الحزام والطريق، واستثمرت الصين في العاصمة الإدارية والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس (تجاوزت الاستثمارات 30 مليار دولار). في يوليو 2026، وقعت مصر والصين اتفاقاً بـ16.5 مليار دولار. في المقابل، حافظت مصر على مساعداتها العسكرية الأميركية (1.3 مليار دولار سنوياً)، وعززت شراكتها مع روسيا في الضبعة النووي وصفقات القمح. لكن التحديات الجديدة تجعل المناورة أكثر تعقيداً: العقوبات الثانوية الأميركية تهدد أي تعاون مع الصين في التكنولوجيا الحيوية وأشباه الموصلات. ومصر تدرس التعامل باليوان في التجارة الثنائية مما يثير قلق واشنطن، والصين تعرض طائرات مسيرة على مصر مما قد يجمّد المساعدات الأميركية. 
السيناريو الأقرب في العقد القادم: استمرار التوازن الحذر مع تزايد الشراكة الاقتصادية مع الصين وروسيا، وتحول مصر إلى مركز لوجستي للصادرات الصينية، مع الحفاظ على العلاقات العسكرية مع أميركا. لكن إذا اشتد الصراع، قد تجبر واشنطن مصر على الاختيار مقارنة بالهند التي وازنت بين أميركا وروسيا لعقود بفضل سوقها المحلية وقوتها النووية، وتركيا التي دفعت ثمن مغامرتها مع روسيا (الخروج من برنامج إف-35)، فإن مصر أقرب إلى النموذج الهندي الحذر. 

تخلص الرحلة التاريخية إلى أن القوة المصرية كانت ولا تزال مرتبطة بقدرتها على استغلال صراعات القوى العظمى، وضعفت عندما راحت في تبعية لأحد الأطراف. من الدروس المستفادة: أولاً، قوة مصر في موقعها الجيوسيولوجي الفريد، لا في مواردها. ثانياً، ازدهرت مصر عندما كانت لاعباً مستقلاً، وضعفت عندما اختارت الاستقرار على حساب النفوذ. ثالثاً، للقوة المصرية سقف عندما تتوحد القوى العظمى ضدها (1841، 1967). رابعاً، جاءت القوة من خلال الاستنزاف البشري والاقتصادي (تجنيد 10% من السكان في عهد محمد علي، و30% من الميزانية للتسليح في عهد ناصر). خامساً، الاعتماد المفرط على طرف دولي واحد يجعل الدولة عرضة للتخلي عنها. وأخيراً، الإرث الحقيقي في بناء مؤسسات، وليس في إنجازات موقتة. أما اليوم، فمصر تستغل الصراع الأميركي- الصيني- الروسي بأسلوب براغماتي، والرهان الأكبر هو تكرار معجزة التوازن من دون دفع الثمن الباهظ. التحدي الأكبر: تحويل الموقع الجغرافي إلى قوة اقتصادية وتكنولوجية، وبناء مؤسسات قادرة على استدامة الاستراتيجية بغض النظر عن شخص الرئيس، والابتعاد من المغامرات العسكرية غير المحسوبة، والتركيز على التنمية البشرية أساساً للقوة في القرن الحادي والعشرين...

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/29/2026 8:48:00 PM
عاد صانع المحتوى معتذراً للطيار والشعب السوري في مقطع فيديو آخر، مؤكداً أن الموقف كان عفوياً وأنه لم يقصد الإساءة.
المشرق-العربي 8/30/2026 6:52:00 PM
تمت مداهمة مكان اختبائه في مدينة صافيتا بريف طرطوس.‏
آراء 8/30/2026 1:13:00 PM
ماذا يحدث عندما تنشأ قطيعة خطيرة وغير قابلة للإصلاح بين البطريرك وسينودس أساقفة الكنيسة البطريركية، ويرفض البطريرك، رغم طلب السينودس، تقديم استقالته؟
العالم 8/29/2026 4:03:00 AM
تُوّج روكيدي الرابع ملكاً في 12 أيلول/سبتمبر 1995، وهو في الثالثة من عمره، عقب وفاة والده روكيراباسايجا باتريك ديفيد ماثيو كابويو أوليمي الثالث.