الآخر…تلك المرآة التي لم نخترها

منبر 31-08-2026 | 10:26

الآخر…تلك المرآة التي لم نخترها

لو كان نارسيس امرأة لبقي حياً. ما كان ليغرم بانعكاسه. بل كان سيمضي فترات تأمله، بالتنقيب عن العيوب، وكراهية النفس. ولكان الـ"إيكو" الوحيد الذي سيتردّد حوله، هو ضرورة أن يتغيّر، وبسرعة، كي يصبح جديراً بمعايير الجمال المثالية.
الآخر…تلك المرآة التي لم نخترها
تعبيرية
Smaller Bigger

سارة الدنف

 

 

لو كان نارسيس امرأة لبقي حياً. ما كان ليغرم بانعكاسه. بل كان سيمضي فترات تأمله، بالتنقيب عن العيوب، وكراهية النفس. ولكان الـ"إيكو" الوحيد الذي سيتردّد حوله، هو ضرورة أن يتغيّر، وبسرعة، كي يصبح جديراً بمعايير الجمال المثالية.
كنّا سننعت بـ"النرجسيين" عندما تتزعزع ثقتنا بأنفسنا، وتصبح أمنيتنا الوحيدة، الغوص في مرآتنا، علّنا نتحاشي الضغوطات على المظهر، والًتي باتت اليوم، غير واقعيّة.
"للأخلاق معايير جمالية". الفضاء الافتراضيّ كفيل بسرد الحقل المعجمي بالمرتبط بهذه "الحقيقة" أفضل منّي. من "المؤثرين" المنحوتين بالمشرط، والذين يبيعون أسرارهم على شكل أوهام من "تقبّل الذات"، إلى المدرّبين المتنمرّين على من يتقبّلن أنفسهنّ بالفعل، حتّى شركات التجميل التي تهوى بيعنا عيوباً زائفة، كلٌّ يغنّي على "ليلاه"، شرط أن تبقى "ليلى" قلقة على مظهرها.
الّا أنّ هبة المعلّم، المهندسة المعمارية العشرينيّة، فرضت نفسها على هذا العالم المزدحم، وقرّرت أن تروي القصة من وجهة نظرٍ لا يدركها كثيرون.
عام 2019، خضعت هبة لعملية تكميم معدة، وخسرت وزناً كبيراً وصلت فيه إلى 93 كيلوغراماً. الّا أنّ الجسد لم يتغيّر دفعةً واحدة، بل بقيّ الفخذان على حالهما، بل وأخذا بالتضخّم من جديد. ولأنّ للحياة اعتباراتها الخاصة، التّي لا تكترث بانتصاراتنا، شاء "قدرها" أن تفقد بعد ثمانية أشهر شخصاً عزيزاً. تجمّد الوزن. واستمرّ فخذاها في التّضخّم بالرغم من كلّ المحاولات. حتّى بات السؤال الوحيد الذي يراودها، عن سرّ تجمّع الدهون في هذه المنطقة تحديداً، حتّى بعد اتباع حميات لإنقاص الوزن.
أَشهرٌ من البحث حملت الإجابة: الليبيديميا، أو الوذمة الشّحمية. حالة مزمنة تؤثّر في توزيع الدهون في الجسم وخاصّة الساقين، وتترافق مع ألم، ثقلٍ وكدمات، ودهون منيعة ضدّ الحمية والرياضة على حدّ سواء. في لبنان، لا يزال الوعي بهذه الحالة محدوداً، وعدد المختصّين بها شبه معدوم. لهذا السبب لجأت هبة، الى مدرّب برازيليّ متخصّص بالليبيديميا لتقييم حالتها عن بعد، والذي اتّضح أّنها متقدّمة مصحوبة بالتهاب. خبرٌ ليس بالسهل، ولكّنه على الأقلّ حرّرها، كما قالت، من "الأساطير" المحيطة بإنقاص الوزن.
فهبة، كالكثير من النساء، كانت عرضةً للجمل المعلّبة عينها: "كلي أقلّ"، "تمرّني أكثر"، "إذا عندك إرادة بتضعفي". جمل يتلوها المهووسون بالمظهر، من دون اكتراث لخصوصية حالة طبية دقيقة كالليبيديميا، والتّي تتصرّف بمنطقها الخاص. وليس من المفاجئ أن أخبركم، أنها كانت تمنع نفسها بسبب هذه المشكلة من عيش تجارب كثيرة.
لخّص سارتر "جدلية النظرات" التّي تربطنا بالآخرين بـأنّ الـ"آخر هو الوسيط الذي لا غنى عنه، بيني وبين نفسي". حينها، نتفهّم عندما تبوح هبة، بأنها قد منعت نفسها من عيش تجارب كثيرة، هرباً من "النظرات"، حدّ اعتبار البحر عدوّاً لها، لأن لباس البحر، منعها من الاستمتاع باللحظة. الّا أن فهمها لحالتها الطبية غيّر زاوية النظر بالكامل. توقّفت عن معاقبة جسدها، وأنصتت اليه. ولم تتوقف عند هذا بل شاركت تجربتها على صفحتها، كي تسلّط الضوء على ضرورة الصبر، والمثابرة، ولم تتوارَ للحظة عن إظهار التناقض الصارخ في التعامل معها بعد فقدان وزنها. وكيف أنّ "وزناً" أقلّ يعني، "ظهوراً" أكبر.
رسالتها اليوم واضحة، ألا وهي نشر الوعي عن الليبيديما في لبنان، حتى لا تضطر امرأة أخرى لأن تقضي سنوات في لوم نفسها أو البحث وحيدةً عن الحلّ. مشدّدةً على أنّ التشخيص المبكر يُحدث فرقاً كبيراً، وأنّ العلاج التحفظي، من تغذية مناسبة ورياضة وملابس ضاغطة وعلاج لمفاوي، قد يخفف الأعراض ويحسّن جودة الحياة، وأنّه في بعض الحالات المتقدّمة قد يلجأ الأطباء إلى شفط دهون مخصص لمرضى الليبيديما، مختلف تماماً عن شفط الدهون التجميلي، ويجب أن يُجرى فقط على يد جرّاح متمرّس بهذه الحالة الدقيقة، نظراً لخطورته إن أُجري من دون خبرة كافية.
لو كان نارسيس امرأة، لما تغيّرت القصّة كثيراً. فليس شرطاً أن يغرم الشخص بشكله، كي يكون أسير مرآته. يكفي أن يُرغم على ذلك من قبل "صدى" المجتمع المهول حوله. إلّا أنّ العبرة في الخاتمة، تبقى بأنّ يحاول ألّا…يغرق.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/29/2026 8:48:00 PM
عاد صانع المحتوى معتذراً للطيار والشعب السوري في مقطع فيديو آخر، مؤكداً أن الموقف كان عفوياً وأنه لم يقصد الإساءة.
المشرق-العربي 8/30/2026 6:52:00 PM
تمت مداهمة مكان اختبائه في مدينة صافيتا بريف طرطوس.‏
آراء 8/30/2026 1:13:00 PM
ماذا يحدث عندما تنشأ قطيعة خطيرة وغير قابلة للإصلاح بين البطريرك وسينودس أساقفة الكنيسة البطريركية، ويرفض البطريرك، رغم طلب السينودس، تقديم استقالته؟
العالم 8/29/2026 4:03:00 AM
تُوّج روكيدي الرابع ملكاً في 12 أيلول/سبتمبر 1995، وهو في الثالثة من عمره، عقب وفاة والده روكيراباسايجا باتريك ديفيد ماثيو كابويو أوليمي الثالث.