هل تموت الكلمة حين يُقطع الرأس؟
د. فادي أبو مراد
نتعلّم من ذكرى قطع رأس يوحنا المعمدان اليوم، وهو يومٌ من أشدّ أيام الصيام رهبةً أنّ الكلمة الخلاصيّة حيّة وفاعلة ومثمرة. إنّ الكنيسة لا تضع أمامنا موضوع قطع رأس يوحنا المعمدان كحدث من الماضي فقط، بل تكشف لنا عبره هشاشة الإنسان حين يفقد بوصلته؛ من رغبة عابرة، كلمة متهورة، مكيدة، وخوف من الناس… لم يكن يوحنا خطرًا على هيروديا لأنه حمل سيفًا، بل لأنه حمل الحقيقة. لم تقتل هيروديا بحيلها الحقيقة، بل قتلت حاملها والحقيقة بقيت. من هنا تبدو الذكرى أقرب إلى مرآة منها إلى صفحة في التاريخ. ففي قصة يوحنا لا يسود طغيان السلطة فحسب، بل هشاشة الإنسان حين يصبح أسيرًا لنظرة الآخرين، ولصورة يريد الحفاظ عليها.
أليست هذه الهشاشة حاضرة، بأشكال أكثر نعومة، فينا أيضًا؟ في هذه الذكرى، كلّ واحد مدعو إلى أن يتوقف عن البحث عن هيروديا في الآخرين، وأن يبحث عن نفسه في داخله. فهذه الذكرى لا تسمح لنا أن نقف خارجًا متفرّجين أو واعظين؛ بل تضعنا تحت سقفها، أمام ضعفاتنا وحساباتنا الصغيرة. فكم مرة نقطع رأس أخينا بكلمة، ونقتل سمعته بتعليق، وندفن محبته فينا لأننا لم نستطع أن نغفر؟ وكم مرة نحوّل اختلافًا صغيرًا إلى خصومة، ثم إلى قطيعة، ثم إلى تاريخ من البغض نتوارثه كأنه إرث مقدس؟ وكلّنا لسنا خارج هذا الوجع في مجتمعنا.
وبالتالي فإنّ المجتمع لا يسقط دفعة واحدة بل يسقط حين تصبح الكلمة أقسى من القلب، والذاكرة أقوى من المغفرة، والماضي أثقل من المستقبل. والأخطر أن نخلط بين الغيرة على الجماعة وبين امتلاكها، وبين الدفاع عن التراث وبين تحويله إلى ساحة لتصفية الحسابات. لقد صنعنا مهرجانات، واحتفلنا بذكريات، وتغنينا بما أنجزناه في الماضي. وهذا جميل، ويستحقّ الشكر لكلّ يد عملت، ولكلّ ناشط أعطى من وقته، ولكلّ من حمل همّ جماعته حين كان العطاء مكلفًا. لكن السؤال الذي يليق بنا اليوم ليس فقط: ماذا فعلنا؟ بل: ماذا نستطيع أن نفعل الآن؟ وإلى أين نريد أن نذهب؟
وقد يكون الإفراط في الحديث عن الماضي محاولة لا شعوريّة لتعويض عقم الحاضر حين تعجز الجماعة عن إنتاج رؤية للمستقبل. فالماضي، إن لم يتحوّل إلى حكمة، قد يتحوّل إلى ملجأ؛ نعود إليه لأنّ الحاضر يتعبنا، والمستقبل بلا ملامح. لسنا بحاجة إلى هدم الماضي، بل إلى الاستفادة من هذا الإرث بتحويله إلى بداية جديدة. يوحنا لم يكن أسيرًا لماضيه. كان صوتًا صارخًا في البرية: «أعدّوا طريق الرب.» وأسمعها أنا أولًا. أن نعدّ الطريق، لا أن نتقاتل على من يملكه؛ وأن نتعلم، قبل أن نطلب من غيرنا، أن نرفع الإنسان دون أن نضع نفسنا فوقه. أن نختلف دون أن نكره، ونعاتب دون أن نهين، ونتنافس دون أن نستفحل، وننجح دون أن نشتهي سقوط الآخر. فالجماعة التي تحتاج إلى تحطيم أبنائها كي تثبت قوتها تكون قد فقدت شيئًا من معناها. في هذا اليوم، نكتشف أنّ الصيام ليس امتناعًا عن الطعام فقط. الصيام الحقيقي أن نصوم عن الكلمة التي تجرح، والحكم الذي يدين، والكبرياء الذي يمنع الاعتذار، والذاكرة التي ترفض أن تغفر. أن نصوم عن ال «أنا» حين تصبح أكبر من ال «نحن».
ولعلّ ما نحتاج أن نتعلّمه من يوحنا هو أنّ المحبة ليست شعورًا رومانسيًا، بل هي فعل أنثروبولوجيّ يعيد بناء الإنسان. فالإنسان لا يصير إنسانًا إلا في علاقته بالآخر؛ وحين يتحوّل الآخر إلى عدوّ دائم، تتشوّه إنسانيتنا نحن قبل أن يتأذى هو. أمّا المغفرة، فليست تنازلًا عن الكرامة ولا إنكارًا للجرح، وليست نسيانًا قسريًا لما حدث؛ بل تحرير للذاكرة من أن تتحوّل إلى سجن، ورفضٌ لأن يصبح الجرح هويتنا. لقد تألمنا، نعم، لكننا لن نبني مستقبلنا من حطام الأمس.
وفي ذكرى يوحنا، أطلب نعمة بسيطة وصعبة: أن أمتلك شجاعة تعرية نفسي قبل أن أعرّي الآخرين. ماذا فيّ يحتاج إلى توبة؟ إلى مغفرة؟ من الذي ظلمته بكلمة؟ ومن الذي ما زلت أرفض أن أغفر له؟ وأي خير أستطيع أن أقوله اليوم فينهض إنسانًا بدل أن يسقطه؟ فلنشكر كلّ من يعمل ويخدم ويعطي، ولنجعل شكرنا دعوة إلى المزيد، لا شهادة اكتفاء. لنتميز بما نصنع، لا بما ندّعي أننا صنعناه، ولنترك للأجيال القادمة ما هو أهم من صور المهرجانات والذكريات: جماعة تعرف كيف تحبّ، وتختلف، وتغفر، وتبدأ من جديد. يوحنا، الذي قُطع رأسه، لم تُقطع رسالته. ولعلّ قوة الشهادة المسيحية أنها لا تنتصر بإسقاط الآخر، بل بالأمانة للحقّ حتى حين يكون ثمنها باهظًا. وربما هذا هو رجاؤنا: قد يتعب مجتمعنا ويضيع بين ماضيه وحاضره، لكن كلمة خير واحدة قد توقظه، ويدًا تمتدّ بالمغفرة قد تعيده إلى الطريق، وقلبًا يتواضع قد يفتح بابًا أغلقناه منذ سنوات. فلنبدأ من أنفسنا، ولنحاول، في حدود ضعفنا، أن نكون ممن يهيئون الطريق.
في ذكرى يوحنا المعمدان، فلنَصم عن البُغض والكبرياء وقتل الآخر بالكلمة، ولنفطر على المحبة والمغفرة والرجاء. لأنّ ما تحتاجه جماعتنا اليوم ليس مزيدًا من الرؤوس المقطوعة بالكلام، بل رؤوسًا مرفوعة، وقلوبًا متصالحة، ورؤيةً جديدة للمستقبل. ولعلّ صلاتنا معا، لا تحتاج إلى خصم كي نشعر بقيمتنا، ولا إلى ماضٍ مجيد كي نبرّر حاضرًا متعبًا، ولا إلى انتصار على أحد كي نشعر أننا انتصرنا. أن يعطينا الله قلبًا يتسع للاختلاف، وذاكرةً تعرف كيف تغفر، وبصيرةً ترى ما وراء اليوم، وكلمةً لا تزيد هذا العالم انكسارًا، بل تمنح إنسانًا آخر سببًا صغيرًا كي ينهض. كل عام ونحن، رغم ضعفنا، نتعلّم أن نكون أقرب إلى الله، وإلى بعضنا البعض!
نبض