خضر حمو الذي قهر السرطان و... غاب (1)
الأيام التسع التي أمضاها في مشفى مدينة هرفورد Herford أماطت اللثام عن تفاصيل معقدة عن صحته، بل صادمةً في وقعها.
إبراهيم سمو ـ ألمانيا
الخطر الذي لم يعد يُدارى:
الأيام التسع التي أمضاها في مشفى مدينة هرفورد Herford أماطت اللثام عن تفاصيل معقدة عن صحته، بل صادمةً في وقعها.
في اليوم الثالث، اقتحمت كبيرة الأطباء، بخيلاء، الغرفة الرتيبة، وأخطرتنا، بثقة أقرب إلى العجرفة، بالخطر الذي لم يعد في الإمكان مداراته.
كلماتها المبهمة سطّلتني، فحررت، وأنا أصغي إليها، هاتفي خلسةً من وضعية الإغلاق، وانطلقت أصابعي تلح على المترجم الآلي بحثاً عن معنى المصطلح الذي شقلبني بغموضه.
فالتعبير العربي: "كتلة حرشفية على الرئة"، الذي اقترحه المترجم لمصطلح Plattenepithelkarzinom der Lunge، أحالني - رغم عملي منذ خمس عشرة سنة في حقل الترجمة - وتشاوفي بثراء ربما مبالغ فيه من العربية، إلى فقر لغوي صارخ.
ـ عفواً، هلا تكرمت بكلام أسهل من لغة المصطلح؟ خاطبت الذات التي شرعت تتعجرف، منكسراً، بل تضاءلت وأنا أستميلها: من فضلك، دكتورة.
لكن العجوز المتصابية راحت تتصنع صلفاً لا يليق بمقام الطب، وصعقتني:
ـ مريضكم مصاب بسرطان الرئة.
بتّ أحدق بذهول؛ عيناي تتسعان حتى كادتا تخرجان من محجريهما، وفمي ينفتح على اتساعه، أما لساني فانكمش أشبه بمشلول.
وما زاد من حرج الموقف إلحاح المريض، أعني والدي، المتواصل، وهو يردد:
ـ ترجم لي... ترجم لي كل شيء.
المرض الذي لا يسمى:
على أن أشهد، إن كان يحق لي أن أشهد، أن خضر، أو كما يسمى بالكردية "خدر حمو"، صديقي الثمانيني قبل أن أقول والدي، لم تهزمه الهشاشة المفرطة في العظام، ولا شقندحية الباركنسون، ولا لؤم تلك العلل المزمنة ومسعوريتها على المعدة والأمعاء، ولا توهان الطب في التشخيص وخلطه بين الجلطة الدماغية والنقائل، ولا حتى كتلة الرئة الحرشفية أو ما اصطلح عليه بسرطان الرئة.
إن كانت الأمور تقاس بالإرادة، فعزيمة "خدر" في المواجهة - إذا كانت على الدوام تميّزه، وتراءت لدى كل عاصفة، والحق يقال - أقوى من الفولاذ.
حكاية "أبو إبراهيم" الأولى مع السرطان بدأت قبل ثلاث عشرة سنة، حين انسلّ إلى داخل عيادة طبيبه المعالج في القامشلي، معاتباً:
ـ وكأني بك تتستر على أمر ما.
حدق بنرفزة في إجازة ممارسة الطب المعلقة قبالته، والتفت مؤنباً:
ـ هل على اللعب بالحقيقة أقسمت يا دكتور؟
انقبضت ملامح الدكتور، فهرول نحو الباب، لا ليصافح مريضه المتوتر وحسب، وإنما ليجذبه إلى كرسي بجانبه ويتودد:
ـ أهلاً يا عم، ومرحباً!
تنهد، وهو يباعد عرق التحرج عن جبهته، ويتخفى خلف ابتسامة مراوغة، وبرر:
ـ حرصاً على الروح المعنوية لديك!
ـ ومن قال إن روحي تتعافى بالقفز على الحقيقة؟
تنفس الطبيب الصعداء، وأفرغ حويصلته من هواء اضطرابها، وصارح:
ـ لست أنا، والله، لا...
جحظت عيون المريض من دهشته، وقال بنبرة غلب الرجاء على الغضب فيها:
ـ إذن ثمة من تدخل من أهل بيتي؟
فهز الطبيب رأسه وزاد:
ـ بلى يا عم!
زفر ملء رئتيه، ثمّ استلّ من جعبته سيجارة، والتفت إلى الدكتور:
ـ هل تسمح أن أطهّر أحشائي بها؟
فابتسم الطبيب من ربكته، وحرّك رأسه حركات لم يعلم حتى هو أكانت للنفي أم للإيجاب.
تدافع الدخان الطازج من جوفه ورق:
ـ إذن هو الداء الذي لا يسمى.
فتنهد الدكتور:
ـ بكل أسف، صحيح.
وأحاطه بالتشخيص الذي توصل إليه كاملاً.
قطع على الطبيب الذي طفق يصارحه حيرته، ونهض مثل فهد جريح، صافح الطبيب معتذراً عما بدر منه، وسارع، ودخان سيجارته يلتف حول نفسه ويتعالى، إلى مكتب البولمانات ليؤمن الرحلة إلى دمشق.
استعطف، ما إن وصل دمشق، معالجه المشهور بحذاقته:
ـ لا وقت لدينا نضيّعه يا حكيم.
زعم مرافقوه: وضع كيس الأدوية والتحاليل والصور الشعاعية على طاولة العيادة، ثم أضاف:
ـ حبّذا لو تنتقل إلى الخطوات العملية اللاحقة.
بشّت أسارير أستاذ الطب الدمشقي، وباعد أدوية الحسكة والقامشلي:
ـ هذه كلها لا تلزمني.
ثم أوصى بتحاليل وصور مقطعية، على رباطة جأش مريضه، وأحال "الحالة" إلى المشفى الاختصاصي، ونصح - ما إن اطلع على النتائج الجديدة - باستئصال البروستاتا والمثانة، وأبهج مريضه:
ـ إن نفّذت وصيتي أضمن شفاءك التام من المرض.
يتبع
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
لا يكمن سرّ النهضة الاقتصادية في الأرقام المالية وحدها، بل في تطوير البنية التحتية لأحد أكثر القطاعات التي تحرّك الأسواق وتسرّع النمو: قطاع الخدمات اللوجستية.
نبض