أي دولة نريد؟ دولة تحمي جيشها… أم دولة تساوم على دم شهدائها؟

منبر 27-08-2026 | 14:01

أي دولة نريد؟ دولة تحمي جيشها… أم دولة تساوم على دم شهدائها؟



حين يأتي الإرهابي ليقتل جندياً لبنانياً، فهو لا يقتل فرداً.
إنه يعتدي على الدولة.
وحين يسقط العسكري شهيداً دفاعاً عن لبنان، لا يجوز أن يتحول دمه إلى رقم في سجل، أو صورة في مناسبة، أو ملف يُستعاد عندما تحتاج السلطة إلى خطاب وطني.
أي دولة نريد؟ دولة تحمي جيشها… أم دولة تساوم على دم شهدائها؟
سجن رومية. (أرشيف)
Smaller Bigger

 بسام صراف

 

 

حين يأتي الإرهابي ليقتل جندياً لبنانياً، فهو لا يقتل فرداً.
إنه يعتدي على الدولة.
وحين يسقط العسكري شهيداً دفاعاً عن لبنان، لا يجوز أن يتحول دمه إلى رقم في سجل، أو صورة في مناسبة، أو ملف يُستعاد عندما تحتاج السلطة إلى خطاب وطني.
دم الشهيد هو هيبة الدولة.
لكن ماذا يحدث عندما تدخل السياسة إلى العدالة؟
عندما يتحول قانون العفو العام إلى ساحة للمساومات والحسابات السياسية والطائفية؟
وعندما يشعر المواطن أن القانون لا يُطبَّق بالميزان نفسه على الجميع؟
عندها لا تعود المسألة قضية عفو.
تصبح قضية دولة.
لا أحد يرفض إنصاف مظلوم، أو إطلاق سراح من لم تثبت إدانته، أو محاكمة من لم يُحاكم، أو تصحيح خلل قضائي.
لكن هناك مبدأ لا يجوز أن يسقط:
العدالة ليست صفقة.
العفو، أياً كانت صيغته، يجب أن يخضع لمعايير قانونية واضحة، لا لحسابات انتخابية أو طائفية. ولا يجوز أن يشعر أهالي الشهداء بأن دم أبنائهم أصبح جزءاً من ميزان سياسي.
فحين تتأثر العدالة بهوية الجاني أو نفوذه أو الجهة التي تقف خلفه، لا يضعف القانون فقط.
تضعف الدولة معه.
وهنا السؤال الذي يجب أن يواجه كل نائب تحت قبة البرلمان:
عندما ترفع يدك للتصويت، هل ترى وجه الشهيد؟
هل ترى الجندي الذي خرج إلى مهمته ولم يعد؟
أمه؟
أباه؟
زوجته؟
أطفاله؟
هل ترى العلم اللبناني الذي لُفَّ به نعشه؟
أم ترى قبل ذلك كله حسابات السياسة والانتخابات والطائفة؟
الجندي عندما يذهب إلى موقعه لا يسأل عن طائفة المواطن الذي يحميه، ولا عن مذهب زميله، ولا عن هوية من يقف أمامه.
هو يحمل علم لبنان.
فلماذا لا تكون العدالة التي تحميه لبنانية بالقدر نفسه؟
الجيش يُطلب منه أن يحارب الإرهاب، ويحمي الحدود، ويواجه الجريمة والتهريب، ويحفظ الأمن، ويدخل إلى أخطر المواقع عندما يتراجع الآخرون.
ومن حقه، في المقابل، أن يعرف أن الدولة تقف خلفه.
ليس بالشعارات.
بالقانون.
وليس بالمراسم.
بالعدالة.
الدولة القوية لا تقول لجنديها:
«اذهب وقاتل الإرهاب، وإذا استشهدت سنضع صورتك على الجدران».
الدولة القوية تقول له:
«اذهب وقاتل، لأن خلفك دولة لن تساوم على دمك».
هذه هي المعادلة.
أما أن نطلب من الجيش أن يكون قوياً، ثم نترك هيبة القانون رهينة الحسابات السياسية، فهذه ليست قوة.
هذه دولة تستنزف مؤسساتها ثم تتساءل لماذا تنهار هيبتها.
والفساد ليس فقط سرقة المال العام.
الفساد أيضاً أن يصبح القانون خاضعاً لموازين القوى، وأن تصبح الحقوق مرتبطة بمن يملك قدرة أكبر على الضغط، وأن يشعر المواطن بأن العدالة امتياز يمكن التفاوض عليه.
وهنا يظهر أخطر أنواع الفساد:
فساد الثقة.
فالدولة قد تواجه الإرهاب بالسلاح.
لكنها لا تستطيع مواجهة فقدان ثقة مواطنيها بالسلاح.
لذلك، فإن حماية الجيش لا تعني فقط تأمين رواتبه وعتاده وسلاحه.
إنها تبدأ من حماية هيبته القانونية والوطنية.
وحماية الشهيد لا تنتهي عند مراسم التشييع، بل في ضمان ألا يصبح دمه ورقة على طاولة السياسة.
ليس المطلوب الانتقام.
وليس المطلوب ظلم أحد.
المطلوب العدالة للجميع.
من كان بريئاً، فليخرج.
من لم يُحاكم، فليُحاكم.
من ظُلم، فلينصفه القضاء.
ومن تثبت عليه جريمة قتل عسكري أو الاعتداء على الدولة، فليتحمل مسؤوليته وفق القانون.
هذه هي الدولة.
أما أن يصبح السؤال:
من هو؟
من طائفته؟
منطقته؟
من يقف خلفه؟
ومن يستطيع أن يضغط من أجله؟
فهنا ننتقل من دولة القانون إلى دولة المحاصصة.
وهنا يصبح السؤال أكبر من قانون عفو:
هل القانون فوق السياسة، أم السياسة فوق القانون؟
لأن الإرهاب يستطيع الجيش أن يقاتله.
أما انهيار ثقة المواطن بالدولة، فلا يستطيع الجيش وحده أن يمنعه.
ولهذا يجب أن يكون المعيار واحداً:
دولة تحارب الإرهاب؟
إذن تحمي من يحاربه.
دولة تحارب الفساد؟
إذن تمنع المحاصصة من ابتلاع القانون.
دولة تريد حصر القوة بالمؤسسات الشرعية؟
إذن تقوّي المؤسسة العسكرية وتحمي حقوق أفرادها وشهدائها.
دولة تريد السيادة؟
إذن تبدأ باحترام مؤسساتها، وإثبات أن القانون لا يتغير بتغير الطائفة أو النفوذ.
لأن الدولة لا تُقاس بعدد القوانين التي يصدرها البرلمان.
الدولة تُقاس بعدالة القانون عندما يكون الجاني قوياً والضحية ضعيفة.
وهنا بيت القصيد:
لا نريد عدالة لطائفة وعدالة لطائفة أخرى.
لا نريد شهيداً «لنا» وشهيداً «لهم».
لا نريد جريمة تُدان بشدة عندما يكون مرتكبها من جهة، ثم تتحول إلى مادة للتبرير أو التخفيف السياسي عندما يكون من جهة أخرى.
ولا نريد نائباً يصوّت بعقلية الطائفة عندما يكون المطلوب منه أن يصوّت بعقلية الدولة.
نريد:
قانوناً واحداً.
 قضاءً واحداً.
 دولةً واحدة.
 جيشاً واحداً.
وشهيداً لبنانياً لا يحتاج إلى طائفة تحمي دمه.
لأن الشهيد لم يمت دفاعاً عن طائفته.
مات دفاعاً عن لبنان.
فإذا كانت الدولة عاجزة عن حماية دم من مات دفاعاً عنها، فكيف تريد من الأحياء أن يثقوا بها؟
وإذا كان الجندي لا يعرف أن الدولة ستقف خلفه، فكيف تطلب من الجندي التالي أن يدخل المعركة مطمئناً؟
وإذا شعر المواطن أن القرار السياسي يستطيع أن يؤثر في معنى العدالة، فكيف تقنعه بأن لبنان دولة مؤسسات؟
المشكلة إذاً ليست في العفو وحده.
المشكلة أن تصبح العدالة نفسها قابلة للمساومة.
هل هي حق متساوٍ للجميع؟
أم امتياز يتغير بحسب القوة والنفوذ والطائفة؟
إذا كانت العدالة قابلة للمساومة، فماذا يبقى من الدولة؟
لذلك، فليجب كل من يرفع شعار الدولة:
هل تريدون دولةً تحمي الجيش؟
أم تريدون جيشاً يحمي دولةً لا تحميه؟
هل تريدون دولة تحارب الإرهاب؟
أم دولة تستطيع السياسة فيها أن تتدخل عندما تصبح العدالة مكلفة؟
هل تريدون دولة تحارب الفساد؟
أم دولة يصبح فيها القانون نفسه رهينة للمحاصصة؟
الجواب ليس في الخطابات.
الجواب في لحظة التصويت.
وفي استقلال القضاء.
وفي حماية حقوق العسكريين والشهداء.
وفي أن يعرف كل لبناني، أياً كانت طائفته، أن أمام القانون هوية واحدة فقط:
مواطن لبناني.
لأن اليوم الذي يصبح فيه دم الشهيد قابلاً للمساومة…
لن يكون الجيش وحده قد خسر.
في ذلك اليوم، تكون الدولة نفسها قد بدأت تخسر هيبتها.
وهذه المرة لن يكون السؤال:
من قتل الجندي؟
بل السؤال الأخطر:
من قتل ثقة اللبناني بالدولة؟

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/24/2026 7:09:00 PM
هيئة الإعلام حولت الدكتور خليل الزيود إلى النائب العام على خلفية مقطع الفيديو.
المشرق-العربي 8/26/2026 8:40:00 PM
عثر الأهالي عليه مقتولا بطلق ناري في الرأس على حافة أحد الطرق.
لبنان 8/26/2026 5:00:00 PM
ضبطهما صاحب أحد محال المجوهرات أثناء قيامهما بسرقة مجوهرات بطريقة احترافيّة تعتمد على الخفّة
فن ومشاهير 8/22/2026 12:46:00 PM
صعدت طيبة إلى جانب والدتها، لتشاركها أغنية "مش مغرورة".