إقتصاد موت وبقايا كرامة

منبر 27-08-2026 | 11:41

إقتصاد موت وبقايا كرامة

ليست المعيشة في لبنان مجرّد أرقام جامدة تُسطَّر في جداول التضخّم، أو نسب عابرة تُحصى في تقارير المصارف الدولية! هي سيرة روح تُكابد القهر الصامت، ووديعة كرامة تُنتزع بدموع العين على حواف الهاوية.
إقتصاد موت وبقايا كرامة
سوبرماركت (صورة أرشيفية).
Smaller Bigger

ريمي الحويّك

 

 

ليست المعيشة في لبنان مجرّد أرقام جامدة تُسطَّر في جداول التضخّم، أو نسب عابرة تُحصى في تقارير المصارف الدولية! هي سيرة روح تُكابد القهر الصامت، ووديعة كرامة تُنتزع بدموع العين على حواف الهاوية.

كيف لبلدٍ تهاوى في درك الهلاك أن يُطالب أبناءه بدفع فواتير تُضاهي أبهى عواصم الأرض؟ فيما ترزح أرواحهم وجيوبهم تحت وطأة عملةٍ خوت من معناها، ومدّخراتٍ تبخّرت كأن لم تكن! 
يا لها من معادلة عبثيّة تتهاوى فيها شرائع الوجود، دولةٌ تذوب في ليل الفساد، ومؤسّسات تترنّح على جرف هار، ومواطن يُراد له أن يكون مرابطاً بلحمه الحيّ، يحرس رماد وطن أضرمت نيرانه السياسات، وحفظه الأبناء بدموع الصبر والرجاء.

يعيش الإنسان هنا في لُجّة فوضى نقديّة عارمة، أطاحت بالجوهر قبل القدرة الشرائيّة. لقد أُلبست الأسواق ثوباً مُدولَراً بالكامل، فيما لا تزال أرواح الكادحين تُقايض بليرات فقدت طعم الحياة وبريقها، وأصبح المرء يؤدي أثماناً باهظة ومزدوجة كي يحظى بفتات العيش.
الكهرباء، بين عتمة الدولة وقسوة اشتراك المولّد الخاص.
المياه، بين شبكة متهالكة تشبه الجسد النحيل، وصهاريج تُثقل كاهل الميزانية.
الصحة، بين مستشفيات تساوم على الرمق الأخير وفواتير إستشفائية تبتلع العمر.
الغذاء والدواء، بأسعار ترقص على طبلة مؤشرات متقلّبة، في ظلّ رقابة ميتة لا تملك سوى التفرج على انهيار الإنسان.

من تجرّأ وقال إنّ البهجة، أو الجلوس على مائدة طعام مع الأحبّة، ترفٌ لا يليق إلّا بالأغنياء؟
ومن الذي صرّح بأنّ الإنسان البسيط مُدانٌ إن أراد أن يبتسم، أو أن يشارك عائلته وجبة خارج جدران الضيق من دون أن يحمل وزر اللقمة، أو يشعر بالذنب كأنه اقترف إثماً؟
الفرح ليس كماليات عابرة، بل هو نَفَس الروح وجوهرها، والكرامة ليست امتيازاً قابلاً للمساومة، بل هي عِقال الوجود الإنساني. والمجتمع الذي يحرم أبناءه من لحظات النور والسكينة، لا يسرق مالهم فحسب، بل يغتال فيهم نبض الحياة وسرّ البقاء.

يشبه الإقتصاد اللبناني اليوم صاحبَ مصنعٍ أقفل أبوابه، وطرد عمّاله، ثم عاد يطالبهم بتحقيق أرباحٍ خيالية له، وكأنّهم ما زالوا يتقاضون أجورهم ويعملون على خطوط الإنتاج. هكذا تتعامل الدولة مع شعبها، دمّرت قدرته على الكسب، ثم تُطالبه بتحمّل أكلافٍ لم يعد يملك القدرة على دفعها.

هنا، يضعنا الواقع أمام السؤال الأبدي، أين يكمن معنى الحياة؟ حين تصبح أبسط البديهيات الإنسانية، كرشف فنجان قهوة مع العائلة على نور الصباح، أو شراء ثوبٍ بسيط لطفلٍ ينتظر العيد، معضلاتٍ وجودية ومعارك طاحنة تستنزف النفس قبل الجسد، وتوهن العزم قبل الساعد.

لقد تحوّل الإنسان من كائنٍ يبني الغد ويرسم المدى، إلى أسيرٍ محبوس في زنزانة الحاضر، لا همّ له سوى عبور ساعات اليوم بسلام، وتأمين رغيف الخبز لغدٍ غامض.

مزّقت الأزمات نسيج العائلات، وغدا الغياب سيَد المكان على كل مائدة. تُرِك الآباء وكبار السن وحيدين يعانقون جدران الوحدة، فيما تشتّت الأبناء في أصقاع الأرض بحثاً عن بصيص كرامة. حتى تلك الوفورات العائلية والأنساب الروحية تآكلت، لأنّ طوفان الأزمة لم يستثنِ أحداً، ولم يترك بيتاً إلا وأحرق بعضاً من دفئه.

كيف يزهر الإنتماء في أرض تسقي أبناءها كأس الغربة والذلّ؟
لقد بات الوطن بالنسبة إلى الإنسان حنيناً مقدساً إلى ما كان عليه الصفاء، وحسرةً متجدّدة على ما آل إليه الجمال.

ومع ذلك، وفي قلب هذا الليل، يتجلّى السر الأعظم في الروح اللبنانية, تلك القدرة المعجزة على استنباط الحياة من قلب الرماد. فالإنسان الذي يئنّ تحت وطأة الفواتير وقسوة العيش، هو ذاته من يخلق النور في الخفاء، ويبدع من العدم مساحات للجمال والموسيقى والأمل، كأن الصمود هنا ما عاد فعلاً دنيوياً، بل صار صلاة دائمة، وشكلاً من أشكال المقاومة الروحية للبقاء.

إن هذا الكيان لا يزال ينبض، لا بقوة هياكله التي خذلته، بل رغمها. إنه ينبض بإرادة ترفض السقوط في أتون العدم، وتتشبّث بأهداب الحياة رغم عواصف الإنحدار.

غير أن الصبر الإلهي، مهما تناهى في العمق، ليس بلا منتهى، وكرامة الإنسان ليست سلعة تُطرح في بورصة المساومات السياسية. فمتى تعود الذاكرة إلى جوهرها لتدرك أن استعادة الأوطان لا تبدأ بتزويق الأرقام، بل بإعادة الإعتبار لجوهر الإنسان، وصون حقّه في العيش بعزّة، لا بالبقاء على حافة الموت البطيء؟ فلا وطن يرتفع على أشلاء الجوع ولا كيان يقوم على إذلال الأرواح.

كيف للمواطن، وقد هوى تعبه إلى دركٍ لا يكفي رمقاً، ألّا يشعر بالدوار؟ 
وكيف يُلام على تعثّره، والأرض نفسها تُسحب من تحت قدميه كأنها رمال متحركة؟
أين العدالة الإلهية والأرضيّة؟ 
أما آن لمن نهبوا لقمة الشعب، من جيبه ومن دمه ومن ترانيم روحه، أن يستفيقوا من غيّهم؟
أيّ تاريخٍ هذا الذي استباح كرامة أبنائه إلى هذا الحدّ المرعب، فتركتهم المؤسسات يصارعون الموت والذلّ، ثم طالبتهم بالصمت والصبر؟

حين يُهان الفقير، ويجوع الطفل، ويُترك الشيخ لرجفة خوفه، تصبح القضية أعمق من أرقام في موازنة، إنها قضية ضميرٍ يقف عارياً في محكمة السماء. وهناك، في حضرة الحق المطلق، لن يُسأل الإنسان كم كنوزاً جمع، بل ماذا فعل بأخيه الإنسان؟

إلى كل من تسبّب في هذا الدرك السحيق، اقرأ بتبصّرٍ ما جاء في إنجيل متى:
"كُلَّمَا فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هَؤُلاَءِ الصِّغَارِ، فَبِي فَعَلْتُمُوهُ."

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/24/2026 7:09:00 PM
هيئة الإعلام حولت الدكتور خليل الزيود إلى النائب العام على خلفية مقطع الفيديو.
اقتصاد وأعمال 8/26/2026 9:15:00 AM
قالت المديرة العامة لـ صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا إن الاقتصاد العالمي يتجاوز صدمة الطاقة الناجمة عن حرب إيران بشكل أفضل مما كان متوقّعاً.
لبنان 8/26/2026 5:00:00 PM
ضبطهما صاحب أحد محال المجوهرات أثناء قيامهما بسرقة مجوهرات بطريقة احترافيّة تعتمد على الخفّة
فن ومشاهير 8/22/2026 12:46:00 PM
صعدت طيبة إلى جانب والدتها، لتشاركها أغنية "مش مغرورة".