هل يعود الجنوب إلى أهله؟

منبر 23-08-2026 | 12:37

هل يعود الجنوب إلى أهله؟

المفارقة أن "حزب الله" ينتظر إيران، وإيران نفسها تبحث عن مخرج.
هل يعود الجنوب إلى أهله؟
حاجز للجيش اللبناني على طول الطريق المؤدية إلى بلدة النبطية الفوقا في جنوب لبنان، 15 آب/ أغسطس 2026 (أ ف ب).
Smaller Bigger

حسن درغام*


بين ثلاثية الاحتلال والسلاح والدولة

المشكلة التي تواجه الشيعة اليوم ليست خسارة فائض القوة، بل أن يستمروا في دفع ثمن فائض قوة لم يعد موجوداً.

فالجنوب يُستنزف: قرى تُقصف وتُفجَّر، بيوت تُهدم، وحتى المقابر لم تسلم. وحين يصل الهدم إلى البيوت والقبور، يصبح السؤال عن بقاء الناس في أرضهم. والسؤال الذي ينبغي أن يطرحه "الثنائي الشيعي" لم يعد كيف نحافظ على سلاح "حزب الله"؟ بل كيف نحمي البيئة التي يُفترض أن السلاح وُجد لحمايتها؟

"حزب الله" ينتظر إيران... لكن أي إيران؟

ترامب يراهن على الخنق الاقتصادي حيث لم تحسم الحرب، وبزشكيان يدعو إلى إنهائها فيما إيران، بتعبيره، "في موقع قوة"، فيما يستعيد جنرالات الحرس المتشددون وزناً أكبر داخل القرار. وهرمز لم يُحسم: طهران لا تزال تملك قدرة التعطيل، لكن النفط والعقوبات يخنقان اقتصادها أيضاً. وحتى باكستان، الشريكة في التقارب الدفاعي مع السعودية وتركيا، تُبقي أبواب التواصل مع طهران مفتوحة.

المفارقة أن "حزب الله" ينتظر إيران، وإيران نفسها تبحث عن مخرج.

وفي بغداد، يتحدث محمد باقر قاليباف عن سيادة العراق وحصر السلاح بيد الدولة، فيما وضعت الحكومة العراقية 30 أيلول مهلة لمعالجة السلاح خارج المؤسسات، وفتحت في الوقت نفسه قنوات تفاوض مع الفصائل لتجنب الصدام وإيجاد مخرج لها. فإذا جاز لإيران أن تناقش مستقبل سلاح حلفائها في العراق، فلماذا يصبح السؤال محرّماً في لبنان؟

والإقليم يتغيّر. سوريا لم تعد الممر الإيراني الذي كانت عليه، لكن إسرائيل لا تريد أن تملأ تركيا الفراغ. وضربة أبو الظهور كادت، بحسب توم براك، أن تفتح مواجهة مع أنقرة. ومازح براك مرة بأن عشرات الأنبياء مرّوا بهذه المنطقة ولم يستطيعوا حل أزماتها. المزحة ثقيلة، لكنها تختصر استعصاء الشرق.

و"حزب الله" اليوم أكثر التصاقاً بإيران مما كان في زمن حسن نصرالله. ليس لأن نصرالله كان مستقلاً عن طهران، بل لأنه امتلك من الشرعية والوزن ما سمح له بإدارة هامش لبناني داخل العلاقة معها. بعد مقتله وخسارة قيادات أساسية والبوابة السورية، ضاق ذلك الهامش. وحين يربط نائب في كتلة الحزب مصير علي الطاهر بـ"معادلة" قد ترسمها إيران، يصبح السؤال مشروعاً: كم بقي من الهامش اللبناني في القرار العسكري للحزب؟

لكن الوقت ينفد. "اتفاق الإطار" يتعثر، وروما لم تحل عقدة مَن يخطو أولاً. وبراك نفسه يقول إن لا تسوية جدية في لبنان من دون "حزب الله" وإيران. فإذا كانت واشنطن تعترف بأن أصحاب القرار الفعليين يجب أن يكونوا على الطاولة، فلماذا تبقى بيروت تنتظر صفقة تُكتب عنها؟

وفي 27 تشرين الأول تنتخب إسرائيل. نتنياهو يحتاج إلى إنجاز، لكن انتظار رحيله ليس استراتيجية. قد يختلف غادي آيزنكوت معه في الأسلوب والعلاقة بواشنطن وإدارة التفاوض، لكنه متماهٍ إلى حد بعيد مع العقيدة الأمنية التي تشكلت بعد 7 أكتوبر: منع إعادة بناء التهديد ورفض العودة إلى قواعد ما قبل الحرب.

والخوف من إسرائيل ليس وهماً. غزة أمامنا، والضفة أيضاً: يمين أكثر تشدداً، استيطان يتوسع، وعنف مستوطنين بلغ مستويات غير مسبوقة، فيما كشفت غزة اختلالاً هائلاً في القوة ودمجاً متقدماً للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في المراقبة والاستخبارات والاستهداف. فكم يتحمل الجنوب إذا تحولت حرب الاستنزاف إلى حرب تدمير؟

والبلد نفسه لا يتحمل. إعادة الإعمار والاستثمارات الكبرى تنتظر الاستقرار واستعادة الدولة قرارها، فيما تذهب دراسة حديثة إلى تقدير صافي اللبنانيين الذين غادروا منذ 2020 ولم تُسجّل عودتهم بنحو 729 ألفاً.

لبنان ينتظر إيران. إيران تنتظر العقوبات. إسرائيل تنتظر الانتخابات. واشنطن تنتظر تنازلات. والثنائي ينتظر تبدّل الموازين. وحده الخراب لا ينتظر أحداً.

لم يعد السؤال كم يستطيع "حزب الله" أن يتحمل. السؤال: كم يحق له أن يطلب من بيئته أن تتحمل؟

عرف اللبنانيون هذه اللحظة، وإن بأشكال مختلفة: المسيحيون بعد الحرب وانكساراتها؛ السنة بعد خروج منظمة التحرير ثم اغتيال رفيق الحريري؛ والدروز في انتقالهم من الميليشيا إلى التسوية. ليست التجارب واحدة، لكن فائض القوة لا يدوم.

واليوم يقف الشيعة أمام امتحانهم الخاص: ماذا بعد فائض القوة؟

وهذه الأسئلة ليست وليدة الحرب وحدها، بل خلاصة حوارات وقراءات تراكمت مع الصديق الوزير السابق باسم السبع، الذي صدر له حديثاً كتاب "في ظلال جهنم" عن تجربته مع رفيق الحريري، ومع صحافيين وكتّاب وناشطين من مشارب مختلفة؛ وفي خلفيتها مسارات موسى الصدر ومحمد مهدي شمس الدين ومحمد حسين فضل الله وهاني فحص في العلاقة بالدولة والمرجعية والمحيط العربي.

ويأتي صوت المجلس الثقافي للبنان الجنوبي ليذكّر بأن استعادة الجنوب مسؤولية وطنية جامعة: ليست أرضاً فقط، بل عودة الناس والإعمار واستعادة شروط الحياة والذاكرة.

هنا قد يكون لنبيه بري دور تاريخي: لا شراء الوقت، بل فتح باب الخروج؛ مبادرة من "الثنائي" لحصرية السلاح في لبنان بكامله، في مقابل انسحاب إسرائيلي متزامن، وضمانات قابلة للتحقق، وجيش قوي، وإعمار تقوده الدولة. مخرج مشرّف — honorable and face-saving arrangement — لا استسلام.

لكن المسؤولية ليست على "الثنائي" وحده. هزيمة مشروع سياسي شيء، وهزيمة جماعة شيء آخر. لبنان لا يستقيم بسقوط أي جماعة فيه، كما لا يستقيم بأن تمتلك أي جماعة دولة داخل الدولة.

والدولة التي تريد من الشيعي أن يتخلى عن دولة "حزب الله"، عليها أن تثبت له أنها ليست دولة الآخرين: أن تصل إلى قريته، وتعوّض، وتبني المدرسة والمستشفى، وتخلق العمل، وتوفر الأمن. لا يكفي أن تتسلّم السلاح؛ عليها أن تتسلّم وظائف الحماية التي ملأ الحزب فراغها لعقود.

وكما يذكّر أمين معلوف في "الهويات القاتلة"، حين يشعر أحد مكونات الهوية بأنه مهدد قد يطغى على سائر الانتماءات. الإذلال لا يمحو الذاكرة؛ إنه يعيد تسليحها.

والمطلوب ليس لبناناً منزوع القوة، بل دولة تحتكر القوة: لا حرية عسكرية لـ"حزب الله" خارجها، ولا "حرية عمل" لإسرائيل داخلها. جنوب الليطاني بداية، لا نهاية.

وتقف مرتفعات علي الطاهر اليوم كأن المأزق اللبناني كله تحوّل إلى جبل: حزب يتمسك بها، إسرائيل تضربها وتحاول إخضاعها، والجيش اللبناني مستعد لتسلّمها.

فهل تُدمَّر؟ هل يدخلها الإسرائيلي؟ أم تستعيدها الدولة؟

الجواب: الجيش اللبناني.

ولا يكفي أن يدخل الجيش علي الطاهر؛ يجب أن تدخل الدولة إلى القرى الواقعة تحتها أيضاً.

فليُرفع العلم اللبناني هناك، لا راية انتصار على الشيعة، بل إعلان نهاية زمن فائض القوة خارج الدولة.

الجمود ليس حياداً. والانتظار ليس سياسة.

إذا كان فائض القوة قد انتهى، فليبدأ فائض السياسة.

قبل أن لا يبقى ما يمكن إنقاذه.


*مهندس معماري وكاتب سياسي

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 8/21/2026 11:32:00 PM
أثارت طفلة مصرية تبلغ 11 عاماً غضباً واسعاً بعدما ألقت بنفسها من الطابق الرابع في الزقازيق، فيما أشارت التحريات الأولية إلى أنها فعلت ذلك خوفاً من والدها.
كتاب النهار 8/21/2026 11:15:00 AM
بات الناس يخافون بعضهم البعض، إذ بماذا يُمكن أن يُفسّر وجودُ كل هذا العتاد في منزل صاحب مولد لتوزيع الكهرباء إلا باستعداده للانقضاض على جيرانه والمقيمين في محيطه...
تركيا 8/20/2026 5:44:00 PM
نشاط زلزالي من الكاريبي إلى اليابان وشرق المتوسط يثير التساؤلات عن وجود رابط بين الهزات المتزامنة. الباحثة السورية في الجيوفيزياء التطبيقية الدكتورة رشا عامر تشرح حركة الصفائح ومناطق الخطر، وتطرح سيناريو لنقل الإجهاد في جنوب تركيا
لبنان 8/21/2026 10:04:00 PM
بعد تسجيل حالات تسمّم استدعت دخول عاملين في ورش تصليح السيارات إلى المستشفى وبعضهم إلى العناية الفائقة، حذّرت وزارة الصحة من استخدام البنزين والمذيبات الصناعية لتنظيف الجلد ومن استنشاق أبخرتها.