كان الناس آمنين
كنت أسمع إيقاع "الدقميقة" من مسطبة الجيران تصاحبه رائحة الزعتر وفوق سطح البيت شراشف بيضاء تنتظر القمح ومن القمح ألف حكاية من "القلبة" إلى "الفراكة".
ميرنا بشاره
كانت المواسم تتعاقب بسلاسة؛ موسم للبذر وموسم للحصاد وآخر للمونة.
كنت أسمع إيقاع "الدقميقة" من مسطبة الجيران تصاحبه رائحة الزعتر وفوق سطح البيت شراشف بيضاء تنتظر القمح ومن القمح ألف حكاية من "القلبة" إلى "الفراكة".
لا...
لم يكن الجنوب مجرد معمل للطعام ولا لوحة زيتية بألوان الربيع
ولا موال قد نسمعه في مهرجان تراثي.
هذه الصورة رغم جمالها ورقتها لا تختصر الجنوب.
في الجنوب قد تجد شخصاً يعزف "المنجيرة" وفي الوقت نفسه تجد آخر يعزف غيتاراً.
سترى مجموعة من الفلاحين يقطفون موسم الزيتون وبالقرب منهم مختبراً طبياً وعيادات وأندية رياضية.
ستأكل "فراكة" مشكلة براحة يد سيدة ثم تصافح يد شاب عاد لتوه من الجامعة.
الجنوب ليس "حاكورة ومسطبة وعرزال" فقط.
لم تعد "الكنكة والكبكة واللغن" وحدها أدوات المطبخ كما لم يعد اقتصاد الجنوب قائماً على ما تنتجه الأرض وحدها.
كان هناك تجار ومهندسون وأطباء وأساتذة وطلاب جامعات وأصحاب شركات ومؤسسات ومكاتب دراسات وهندسة وتكنولوجيا.
وفي الجنوب كانت هناك فروع لعلامات تجارية عالمية ومراكز طبية ومؤسسات تعليمية ومصالح تجارية ومبان حديثة وأحياء كاملة تنبض بالحياة.
لذلك كفوا عن تقزيم الخسائر، وكفوا عن اختزال الجنوب في صورة قرية قديمة توقف فيها الزمن منذ قرن أو قرنين.
هذا التنميط ليس بريئاً دائماً لأنه يجعل ما دمر يبدو أقل مما هو عليه
هذه المباني التي دمرت وطحنت لم تكن مجرد غرفة ودار.
كثير منها كان أبنية مرتفعة ومراكز تجارية ومكاتب وعيادات ومؤسسات ومحالَّ وبيوتاً حديثة وأماكن عمل وحياة.
وحين تهدم مبنى في الجنوب أنت لا تهدم جدرانا فقط.
أنت تهدم مكتب مهندس وعيادة طبيب ومحل تاجر ومشروع شاب وذاكرة عائلة ومصدر رزق وسنوات من الاستثمار والعمل.
وحين تهجر الناس لا تبعد أجساداً عن بيوتها فقط.
أنت تعطل تعليماً وإنتاجاً وتجارة ومهنا وحياة كاملة.
الجنوب ليس هامشاً صغيراً يمكن اقتطاعه من الخريطة، ثم حساب خسارته بالأمتار.
المساحة التي دمرت والناس الذين شردوا وأُبعدوا لا يمثلون حكاية محلية صغيرة.
إنهم ما يقارب خمس الوطن.
خمس التعليم.
خمس الإنتاج.
خمس الحركة الاقتصادية.
وخمس التاريخ.
وخمس الحكاية اللبنانية التي لا يجوز اختصارها في "دقميقة" فوق مسطبة ولا في شجرة زيتون ولا في صحن "فراكة".
فالجنوب كان وما زال أكثر من الصورة التي رسمناها عنه.
كان أرضاً تزرع القمح والزيتون نعم، لكنه كان أيضاً أرضاً تخرّج أبناءها من الجامعات وتبني المستشفيات وتفتح الشركات وتنتج المعرفة وتعيش الحداثة إلى جانب التراث.
ولهذا تحديداً، حين دمر الجنوب لم تدمر قرى فقط.
دمر جزء من لبنان الحديث.
نبض