العفو العام: هل سيقدّم للمستقبل أم يكرّر الماضي؟
ماريا حنّوش
بعد أن أقرّ مجلس النواب اللبناني في 2 آب/أغسطس قانونًا ينصّ على مفهومي العفو العام وتخفيض العقوبات عن بعض الجرائم، بحسب معايير محددة، يصلح ذكر مفهوم العفو العام، لكونه لا يقتصر على مدة السجن فقط، بل يزيل الصفة الجرمية عن بعض الجرائم أيضًا، بينما يُعتبر العفو الخاص، الذي كان يُقرّ في بعض الحالات في لبنان، خصوصًا عام 1991 بعد الحرب، عفوًا يطال العقوبة دون أن يمحو الإدانة.
أما قانون عام 2026، فيُعتبر، بعنوانه ومضمونه، صورةً مركّبة بين منح عفو عام وتخفيض مدة بعض العقوبات بشكل استثنائي. سيكون الخروج من السجن موحّدًا بالنسبة إلى الذين يطالهم العفو، ولكن الطريق القانونية ستختلف حتمًا.
تبقى تفاصيل هذا القرار معقّدة ومتعدّدة، نظرًا إلى الأعداد الهائلة من الجرائم وتنوّع أنواعها، والمسار القانوني لمحاسبة مرتكبيها، في ظلّ بطء شديد في العمل القضائي. فالعفو هنا يستطيع تخفيض عدد السجناء، ولكنه لن يتمكّن من تسهيل التحقيقات والمحاكمات العالقة. وبالنسبة إلى البعض، سيُخرجهم العفو من السجون، لكنه لن يعيد ما مضى من سنوات. ومن هذه الحالات، نذكر مسؤولية الدولة تجاه من أمضوا 12 أو 13 سنة في السجن من دون أيّ حكم. وفي حين يذكر القانون التعويض للأشخاص الذين تثبت براءتهم بعد السجن في هذه الحالات، فإن هذه العملية ستزيد الأعباء والتكاليف على الدولة، بينما يكون أحد الأسباب الرئيسية لإصدار الدولة هذا القرار هو تخفيض أعداد السجناء.
في ظلّ زيادة معدل الجريمة في لبنان نتيجة عدد كبير من العوامل، الناتجة غالبًا عن العنف والبطالة وغيرها، وهي عوامل أتت بشكل أساسي بعد الأزمات المتتالية التي مرّ بها لبنان، وتركت صدمات لدى أهله، وولّدت عنفًا وردود فعل، سيُعاد السيناريو نفسه؛ فبعد إقرار مفاعيل العفو العام، وفي ظلّ المماطلة في العمليات القضائية، ستمتلئ السجون من جديد. فالعفو العام سيخفّف من أعداد المسجونين، لكنه لن يحلّ أسباب المشكلة، ولن يكون حلًا على المدى البعيد.
لكن الطائفية تدخلت حتى في القوانين والقضاء، حيث تبرز المحاصصة، مع مدافعة كل كتلة نيابية عن تخفيض حجم العقوبات ومدتها لمؤيديها.
ويحمل القرار شوائب عديدة، لكون مساره لا يبدأ من العمق، ولا يجد حلولًا لتنشيط القضاء وزيادة إنتاجيته، ولكونه لا يقوم بأيّ مبادرة لمعالجة أسباب العنف، إذ إن الإنسان لا يولد مؤيدًا للجريمة أو العنف.
نبض